عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

رؤى

صفاء شاكر

عقوبات المتاجر واستدعاء التاريخ: كيف أيقظت مستوطنات الضفة الغربية أشباح «فوكلاند» بين لندن وتل أبيب؟

2026.09.19

عقوبات المتاجر واستدعاء التاريخ:

كيف أيقظت مستوطنات الضفة الغربية أشباح «فوكلاند» بين لندن وتل أبيب؟

 

في أحد الأيام القليلة الماضية، انبرى وزير الدفاع الإسرائيلي في اتهام بريطانيا بالاستيلاء على جزر فوكلاند. وكان ذلك ردًّا على قرار «عاصمة الضباب» بحظر استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الأرض الفلسطينية المحتلة، وفرض قيود على الخدمات المرتبطة بهذه المستوطنات. جاء هذا بالإضافة إلى البيان المشترك بين المملكة المتحدة وكل من وزراء خارجية كندا، والدنمارك، وفنلندا، وفرنسا، وأيسلندا، وأيرلندا، والنرويج، وبولندا، والبرتغال، وإسبانيا، والسويد؛ والذي أكدوا فيه اعتزامهم فرض قيود وطنية أو دعم فرض قيود أوروبية على تجارة السلع مع المستوطنات غير القانونية بموجب القانون الدولي، أو النظر بشكل جدي في اتخاذ هذه التدابير وغيرها وفقًا للإجراءات الوطنية لكل دولة. ويشجع الوزراء المجتمع الدولي على البناء على هذه الخطوات، واتخاذ تدابير ملموسة لوضع حدٍّ للأنشطة التي تدعم أو تساهم في استمرار المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الأرض الفلسطينية المحتلة.

 

الموقف البريطاني: لا سلع للمستوطنات في متاجرنا

وأعلن وزير الخارجية البريطاني - في كلمة أمام مجلس العموم - فرض عقوبات على «شركات وأفراد يوفرون الخدمات، مثل أعمال البناء والبنى التحتية والتمويل أو العقارات، المخصصة لتوسيع المستوطنات»، وعقوبات إضافية على «المستوطنين المتطرفين الذين دعموا أو شجّعوا أعمال العنف بحق المجتمعات الفلسطينية». وذكر وزير الخارجية أن حكومته - التي سبق أنْ علّقت «أكثر من 30 رخصة تصدير أسلحة استخدمها الجيش الإسرائيلي في غزة» - سترفض كذلك «كل طلبات الترخيص المتعلقة بتصدير أسلحة وغيرها من المنتجات التي تساهم بشكل كبير في الاحتلال».

وقال إنَّ بريطانيا «لن تصمت بعد الآن»، وتدين المعاناة، وتدعم المساءلة عمّا يحدث في غزة، مشيرًا إلى أنَّ التقارير خلصت إلى أنَّ جرائم حرب «يبدو أنها» ارتُكبت في القطاع. وأضاف أمام مجلس العموم أنَّ «الحكومة البريطانية تقرّ بأنَّ تطهيرًا عرقيًّا يجري في الضفة الغربية، ينفِّذه مستوطنون إرهابيون». وشدَّد على أنَّ «الموقف الرسمي للحكومة البريطانية هو أنَّ الاحتلال غير شرعي»، مضيفًا: «لا أعتقد أنَّ الشعب البريطاني يريد أنْ ندعم الاحتلال من خلال القبول، في متاجرنا ومحالنا الاستهلاكية، بمنتجات مصدرها المستوطنات».

 

ردود الفعل الإسرائيلية.. واستدعاء الأرجنتين

ردَّت إسرائيل على عقوبات لندن بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس المحتلة، وقرَّرت منع مسؤولين ومواطنين بريطانيِّين من دخول إسرائيل. وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، إنَّ الحكومة قررت منع دخول 12 من البرلمانيِّين والمواطنين البريطانيِّين لتورطهم في «عمليات معادية للسامية»، كما قرَّرت طرد الممثلين البريطانيِّين من مراكز توزيع المعونات في قطاع غزة. وذكر أيضًا أنَّه لم يعد مسموحًا لبريطانيا بالمشاركة في مهمة تنسيق تقودها الولايات المتحدة في غزة، وأنَّ التدريب البريطاني لقوات السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية سيتوقف.

وردَّ ساعر على تصريحات نظيره البريطاني بشأن المستوطنات غير الشرعية قائلًا إنَّ «الشعب الإسرائيلي يدعم بغالبيته العظمى الاستيطان في الضفة الغربية، ويعارض إقامة دولة فلسطينية في قلب أرضنا». وأضاف أنَّ العقوبات التي أعلنتها بريطانيا تُشكِّل «تدخلًا سافرًا» في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

من جانبه، دعا وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش، في تدوينة على منصة «إكس»، إلى طرد السفير البريطاني فورًا. وهاجم سموتريتش الحكومة البريطانية، واصفًا إياها بأنها «معادية للسامية»، مضيفًا: «لقد انتهى الانتداب البريطاني في أرض إسرائيل». وكتب أيضًا: «لن نكون عتبة يُداس عليها»، زاعمًا أنَّ الحكومة البريطانية تحاول إنقاذ نفسها من «الانهيار الاقتصادي والاجتماعي بمهاجمة اليهود ودولة إسرائيل».

في السياق ذاته، دعا وزير الأمن القومي الإسرائيلي بن غفير إلى الاعتراف بسيادة الأرجنتين على جزر فوكلاند المتنازع عليها مع بريطانيا كنوع من الرد السياسي. وقال بن غفير في تدوينة عبر منصة «إكس»: «حان الوقت لكي تعترف دولة إسرائيل علنًا بأن جزر فوكلاند أراضٍ أرجنتينية محتلة، يسرقها البريطانيون بالقوة من الشعب الأرجنتيني». وأضاف: «لا يكتفي البريطانيون باحتلال الأراضي، بل يقومون أيضًا بأعمال تنقيب عن النفط فيها، ويسرقون أموال الشعب الأرجنتيني».

 

فوكلاند: خلفية النزاع التاريخي

ولمعرفة الأصول التاريخية لجزر فوكلاند ولماذا تنازعت عليها كل من بريطانيا والأرجنتين (وهو النزاع الذي استدعاه المسؤولون الإسرائيليون في هجومهم الأخير)؛ لا بد لنا من إلقاء نظرة فاحصة على هذه الجزر. لقد تمَّ اكتشاف هذا الأرخبيل لأول مرة عام 1592 على يد القبطان الإنجليزي «جون دافيس»، وكان أول مَن نزل على شواطئه هو البحار الإنجليزي «جون استرونج» الذي أطلق على الجزر اسم «فوكلاند» نسبة إلى أمين خزانة البحرية الملكية البريطانية آنذاك. وهاتان هما الواقعتان اللتان اعتمدت عليهما بريطانيا في إثبات حقها التاريخي في الجزر.

لكن هذه الجزر ظلت مهجورة خالية تمامًا من مظاهر الحياة الإنسانية على أرضها الوعرة حتى عام 1764 عندما أبحرت حملة فرنسية في اتجاه الجزر بقيادة «لويس دو بوجانفيل»، ثم أرسلت فرنسا العمال والمهندسين للمساعدة في تطوير المستعمرة التي بدأت تزدهر قليلًا وتقوم بها بعض الزراعات إلى جانب تربية الأغنام. وكان الهدف الأكبر لفرنسا هو محاولة استعادة كندا انطلاقًا من جزر فوكلاند، أي عن طريق الساحل الغربي. هكذا استمرَّت الجزر فرنسية لمدة عامين، ولكن بريطانيا ما لبثت أنْ عادت تطالب بمستعمرتها، وتأزمت العلاقات بين الدولتين، لكن فرنسا تراجعت أمام تفوق البحرية البريطانية.

هنا تذكَّر ملك إسبانيا القرار الذي أصدره البابا «ألكسندر السادس»، والذي نصَّ على ضم الجزر الواقعة في عرض البحر إلى مجال نفوذ الإنجيليِّين الإسبان في أمريكا اللاتينية. وبناءً عليه طالب ملك إسبانيا بالجزر، وفي عام 1767 خفق العلم الإسباني على الجزر بدلًا من العلم الفرنسي. وفي أعقاب انهيار الإمبراطورية الإسبانية وانفصال مستعمراتها؛ قامت الأرجنتين عام 1822 بضم الجزر.

وثار أول نزاع بين بريطانيا والأرجنتين في 3 يناير 1883 عندما أعلنت بريطانيا سيادتها على الجزر، وتولى حاكم بريطاني إدارتها، وبذلك وضعت الأرجنتين أمام الأمر الواقع. ولم تكف الأرجنتين منذ ذلك الوقت عن المطالبة بهذه الجزر، واتهمت بريطانيا بالاعتداء على أرض أرجنتينية واغتصابها، ولكن حكومة لندن اعتبرت أنها لم تفعل سوى استرداد ما كانت قد تنازلت عنه.

استمرَّ هذا الخلاف قائمًا بلا حلٍّ على مدى أكثر من قرن من الزمان. فالأرجنتين لم تكن مهتمة اهتمامًا فعليًّا بهذه الجزر شبه الصحراوية. ولم يبدأ هذا الخلاف يأخذ أبعادًا جديدة إلا عام 1961. واستطاعت الأرجنتين - بعد جهود مكثفة - أنْ تحصل من الأمم المتحدة عام 1965 على قرار ببدء عملية التفاوض بين الدولتين من أجل التَّوصُّل إلى حل النزاع سلميًّا. وقد وقَّعت بريطانيا والأرجنتين في أول يوليو 1971 اتفاقًا ينصُّ على أنْ يشتركا معًا في تنمية جزر فوكلاند.

ولكن الموقف تدهور من جديد فيما بين 1973 و1976، وتصرُّ الأرجنتين على ملكيتها لهذه الجزر، وتقوم مدمرة أرجنتينية بإطلاق النيران على سفينة إنجليزية تحمل بعثة لدراسة الإمكانيات الاقتصادية للجزر. وتعلن بريطانيا أنَّ أي نقاش حول السيادة البريطانية على فوكلاند غير مقبول. وتستدعي الأرجنتين سفيرها في لندن وتعلن أنَّ السفير البريطاني لديها شخص «غير مرغوب فيه»، ولا تعود العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين إلا عام 1980، وبحثت الحكومتان عن أرضية مشتركة للتفاهم عن طريق تنمية التعاون الاقتصادي بين البلدين.

 

انفجار الأزمة.. وحرب 1982

وفي عام 1980، اقترح وزير الخارجية البريطاني على الأرجنتين أنْ تقوم بريطانيا بالاعتراف بالسيادة الأرجنتينية على الجزر مقابل أنْ تتخلى الأرجنتين عنها لمدة 99 عامًا، ولكن المفاوضات تعثرت فجأة. وازداد موقف الأرجنتين تشدُّدًا، خاصة بعد أنْ تولى الجنرال «جاليترى» الحكم، وأعلن أنَّ الأرجنتين لا تقبل أنْ يكون جزء من أرضها محتلًا، وما لبث أنْ خفق العلم الأرجنتيني فوق الجزر بعد غزو مباغت قامت به «بلاد الفضة» في 19 مارس 1982.

هكذا، وجَّهت الأرجنتين لطمةً قاسيةً للحكومة البريطانية، وكان على هذه الأخيرة إما أنْ تغسل عارها، أو أنْ تقدم استقالتها، خاصة بعد أنْ هاجمتها المعارضة في مجلس العموم واتهمتها بالتراخي والتباطؤ رغم تقارير المخابرات عن نية الأرجنتين المبيتة للغزو. أي أنَّها معركة حياة أو موت سياسي لـ«المرأة الحديدية» مارجريت تاتشر، رئيسة الوزراء البريطانية. وكان تمسُّك بريطانيا بجزر فوكلاند يشبه تمسكها بهونج كونج وجبل طارق، فإذا ابتلع الأسد البريطاني كرامته ولم يدافع عنها؛ لقابل نفس الأمر بالنسبة لمستعمراته في آسيا وجنوب أوروبا.

 

الاقتصاد والسياسة في أتون المعركة

ومع اشتداد الأزمة وتطورها عرف الاقتصاد البريطاني - الذي يعاني أصلًا من الكساد - اضطرابًا كبيرًا. وقد تصدَّت المعارضة لمسز تاتشر عندما حاولت فرض ضرائب جديدة لمواجهة تمويل العمليات العسكرية، مؤكدة أنَّ إضافة المزيد من الضرائب أو الاستقطاع من احتياطي الإنفاق العام ستكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد البريطاني. واضطربت الأسواق البريطانية نتيجة قرار الحكومة البريطانية بتجميد الأرصدة الأرجنتينية؛ فقد صدر قرار التجميد دون استشارة البنوك سواء البريطانية أو الأجنبية، ولديها أكثر من 1.4 بليون من الودائع الأرجنتينية. ومنعت البنوك من منح أية قروض للأرجنتين، كما توقفت جميع البنوك عن منح أية تسهيلات مالية للشركات الأرجنتينية. وأصبحت البنوك أكثر اضطرابًا عندما أعلنت الأرجنتين التوقف عن دفع ديونها بما في ذلك الفوائد على القروض التي كانت قد حصلت عليها. وهذه هي المرة الأولى التي تفرض فيها بريطانيا الحرب الاقتصادية على دولة منذ موقفها من روديسيا في الستينات. ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ بل تعداه إلى حث دول السوق الأوروبية جميعها على أنْ تفعل نفس الشيء.

وقد حذت كندا وأستراليا حذو دول السوق واستدعتا سفيريهما في بوينس آيرس، وكذلك نيوزيلندا التي قطعت علاقاتها تمامًا مع الأرجنتين. ورغم انضمام ألمانيا لقرار العقوبات ضد الأرجنتين؛ فإنَّ موقفها يعتبر أكثر دول السوق حرجًا، فهي تصدر السلاح للأرجنتين وتزودها بغواصات ومعدات عسكرية كثيرة بمبالغ طائلة، وكانت بعض هذه العقود تحت التنفيذ.

أما إسبانيا، فقد وجدت نفسها حائرةً بين تناقض المشاعر: فمن جهة هناك أولوية التزامها بسياسة الانضمام إلى السوق المشتركة وحلف الأطلنطي ووجوب انتهاج الديمقراطية الإسبانية بنفس المنهاج الأوروبي. ومن جهة أخرى هناك الروابط التاريخية والعاطفية والثقافية التي تربطها بالأرجنتين التي يعيش فيها أكثر من مليون إسباني. وقد أيَّد الشعب الإسباني موقف الأرجنتين، أما على المستوى الرسمي فقد رفضت إسبانيا التصويت على قرار إدانة الأرجنتين في مجلس الأمن في الأول من أبريل بعد أنْ طلبت بريطانيا انعقاد المجلس؛ لبحث الوضع الخطير في جنوب الأطلسي. وقد صرَّحت حكومة مدريد بأنَّها تساند مطالب الأرجنتين بالسيادة على جزر فوكلاند، ولكنها لا توافق على استخدام القوة لحل الخلاف.

وفي 14 أبريل صادق مجلس الوزراء البريطاني على الإجراءات العسكرية، وما لبث أنْ فُرض الحصار البريطاني في إطار 200 ميل حول فوكلاند، وفي 21 مايو بدأ الإنزال البريطاني على الجزر.

 تصاعدت حدة المواجهات العسكرية بين الطرفين واتخذت أبعادًا خطيرة، وكلما تصاعد مستوى العنف وزادت الخسائر في الأرواح والمعدات، زاد الإحساس بالنفور بين الجماهير البريطانية وعمَّ الشعور بضرورة وضع حدٍّ لهذه المأساة، ولكن شريطة أنْ يكون ذلك بشكل يحفظ للشعب البريطاني كرامته. هذا إلى جانب أنَّ المساندة الجماعية التي حظيت بها الحكومة البريطانية من جانب دول السوق الأوروبية في البداية، وأدت إلى فرض العقوبات الاقتصادية على الأرجنتين؛ قد بدأت في التفكك.

وبعد شهر من اندلاع الموقف وفشل الحلول الدبلوماسية التي طُرحت؛ كل هذه الاعتبارات دفعت بحكومة لندن إلى بعض المرونة في مواقفها رغم أنَّ الموقف الرسمي لم يتغير. وظهرت هذه المرونة من خلال تصريحات المسؤولين، فنجد أنَّ تاتشر بعد إصرارها في البداية على عدم اللجوء إلى وساطة الأمم المتحدة، ورفضها المتكرر لطلب حزب «العمال» بضرورة تدخل المنظمة الدولية لحل الخلاف؛ عادت فوافقت على ذلك. وبعد أنْ كانت تشترط انسحاب القوات الأرجنتينية الفوري والكامل قبل أي تفاوض؛ أصبح هناك حديث عن الانسحاب على مراحل من الجانبين. وبعد أنْ كانت ترفض مناقشة السيادة البريطانية على الجزر؛ أصبح موضوع إدارة بريطانية - أرجنتينية مشتركة أمرًا واردًا.

وعلى الرغم من المساندة التي حظيت بها تاتشر على سياساتها - وهو شيء لم يحدث لأي حزب بريطاني حاكم منذ الحرب العالمية الثانية - فإنَّ انقسامًا حادًّا قد بدأ يظهر في صفوف الحزب المحافظ ذاته. فقد دبَّ الخلاف بين صفوفه وراح جناحا الحزب اليميني والمعتدل يتبادلان الاتهامات. فقام الجناح اليميني باتهام المعتدلين بالسعي إلى تسوية الخلاف بأي ثمن حتى لو كان التفريط في فوكلاند. وردَّ الجناح المعتدل بأنَّ عملية فوكلاند قد كلفت الخزانة البريطانية الكثير وستؤدي آثارها الاقتصادية البغيضة على القضاء على أية فرصة أمام الحزب للفوز في انتخابات 1984. هذا بالإضافة إلى حملات الهجوم العنيفة من جانب أقطاب المعارضة الذين طالبوا باستقالة حكومة تاتشر.

 

المواقف الدولية.. واستسلام الأرجنتين

على جانب آخر أرادت الولايات المتحدة أنْ تلعب دور الوسيط المحايد في الأزمة. فهي تربطها بالأرجنتين «معاهدة ريو» التي وُقِعت في عام 1947 وتنصُّ على التزام الدول المُوقِّعة على المعاهدة بالدفاع المشترك إذا تعرَّض أي عضو فيها لعدوان خارجي، بالإضافة إلى أنَّ الأرجنتين حليف استراتيجي يُعتمد عليه في النضال ضد انتشار النفوذ الشيوعي في مجال السيطرة الغربية. أما بريطانيا فهي الحليفة التاريخية للولايات المتحدة، وتربطها بها معاهدة حلف شمال الأطلنطي. وعندما فشلت الجهود الدبلوماسية الأمريكية لاحتواء الأزمة؛ كان لا بد على الولايات المتحدة أنْ تختار إلى أي الجانبين تنحاز. وبعد شهر من التردد؛ قررت الوقوف رسميًّا إلى جانب بريطانيا. ونتيجة خوفها من فرط عقد فنائها الخلفي في أمريكا اللاتينية؛ أعلنت واشنطن مرارًا وتكرارًا أنَّه ليس هناك أي نوع من التورُّط من جانب أمريكا، وإنما انحصرت المساعدة التي قدَّمتها إلى بريطانيا فقط في إرسال ثلاث طائرات للإسهام في تزويد الطائرات البريطانية بالوقود.

ولم تدخر الأرجنتين وسعًا في إشعال مشاعر البغضاء بين دول أمريكا اللاتينية تجاه الولايات المتحدة، فحوَّلت حرب فوكلاند من مطلب قومي إلى نضال موجه ضد القوى الغربية الإمبريالية. وأضافت أنَّ الأرجنتين وهي تقاوم الاستعمار البريطاني إنما تجسِّد جهود جميع الدول النامية ونضالها من أجل إثبات وجودها في مواجهة الدول العظمى.

أما الاتحاد السوفيتي، فقد اتخذ في البداية موقف المراقب من الأحداث، وامتنع عن التصويت على قرار مجلس الأمن بإدانة الأرجنتين، واستمرت موسكو في صمتها متحينة الفرصة. وبعد انحياز الولايات المتحدة لبريطانيا؛ لم يعد أمام الأرجنتين سوى الارتماء في أحضان السوفييت. وقامت كل من واشنطن ولندن باتهام موسكو بالصيد في المياه العكرة. كما أنَّ كوبا - على الرغم من العلاقات المتوترة بينها وبين الأرجنتين – فإنها أعلنت استعدادها لمساعدة الأخيرة في حربها ضد الغرب، وكان ذلك مخططًا لخلخلة ميزان القوة في هذه المنطقة وتدعيم النفوذ السوفيتي في أمريكا اللاتينية. وقد اتسم موقف دول القارة الجنوبية عمومًا بالانحياز للأرجنتين، كما فتحت أسواقها للمنتجات الأرجنتينية التي قاطعتها الأسواق الأوروبية.

على أية حال، اتخذت بريطانيا طريقًا لإخفاء حجم الخسائر الحقيقية والإبقاء عليها في طي الكتمان، لا سيِّما خسائرها في الطائرات والطيارين، أو بالإدلاء بنصف الحقيقة كما حدث في حادث غرق سفينة النقل «أتلانتك كونفير» التي أغرقتها القوات الجوية الأرجنتينية، وكانت هذه السفينة تلعب دورًا مهمًّا في نقل العتاد والمعدات للمعركة.

على الجانب الآخر، تركت الحرب آثارًا عميقة في الأرجنتين، إذ أدت الهزيمة العسكرية إلى اهتزاز موقف حكم القادة العسكريين الذين اضطروا إلى التنازل عن الحكم وإجراء انتخابات فاز بها الرئيس «راؤول ألفونسين» الذي كان على رأس جدول أعماله محاكمة أعضاء المجلس العسكري الذين اتُّهموا بخوض معركة فوكلاند لتغطية المشاكل الداخلية والاقتصادية.

وفي 12 يونيو 1982 بدأ الهجوم الإنجليزي على بورت ستانلي، فاقترحت الأرجنتين هدنة 24 ساعة بعد أنْ وصل البريطانيون إلى مشارف المدينة. وفي 15 يونيو وقَّع العميد الأرجنتيني «مينديس» وثيقة الاستسلام أمام العميد «موري» ممثلًا عن بريطانيا.

 

المراجع:

  • سوسن حسين: حرب فوكلاند أو فوهة البركان في جنوب الأطلنطي.
  • ضرغام عبد الله الدباغ: حرب فوكلاند. الأبعاد السياسية والاستراتيجية للصراع البريطاني الأرجنتيني حول جزر فوكلاند.
  • María Inés Tato, Peter Stanley, Luis Esteban Dalla Fontana and Rob McLaughlin: FALKLANDS/ MALVINAS 1982, A War of Two Sides.
  • Vojtech MastnySource, The Soviet Union and the Falklands War.
  • Kenneth R. McGruther, When Deterrence Fails: The Nasty Little War for the Falkland Islands.
  • David Sanders, Hugh Ward, David Marsh and Tony Fletcher, Government Popularity and the Falklands War: A Reassessment.
  • KLAUS DODDSSource, Stormy waters: Britain, the Falkland Islands and UK-Argentine relations.

Stephen Benedict Dyson, Cognitive Style and Foreign Policy: Margaret Thatcher's Black-and-White Thinking.