عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

شريف إمام

شهادة الذات وكتابة التاريخ – الجزء الأول

2026.04.18

شهادة الذات وكتابة التاريخ – الجزء الأول

 

تُعَدُّ شهادة الذات من أبرز المصادر التي تمدُّ البحث التاريخي بمادة حية نابضة؛ لأنها لا تكتفي بعرض الوقائع في صورتها المجردة، بل تنفذ إلى ما وراءها من دوافع وملابسات وذهنيات وانفعالات، فتمنح المؤرخ فرصة أوسع لإدراك التاريخ في حركته الداخلية، لا في مظاهره الخارجية وحدها. وإذا كانت الوثائق الرسمية تُعنى – في الغالب – بإثبات القرار، وتسجيل الإجراء، وتحديد الموقف في صيغته النهائية، فإن شهادات الذات تكشف – في كثير من الأحيان – عمّا ظلَّ كامناً وراء النصوص الرسمية من ترددات الفاعلين، وتقديراتهم، وصراعاتهم، وشبكة العلاقات التي أحاطت بالفعل السياسي وأسهمت في تشكيل سياقه التاريخي.

ومن هنا، فإن قيمة هذا المصدر لا تنبع من كونه مادة تكميلية لسائر المصادر فحسب، بل من كونه يمثل – في أحيان كثيرة – نافذة تفسيرية لا غنى عنها لفهم الحدث التاريخي في كثافته الإنسانية وتعقيده السياسي. فالتاريخ لا تصنعه القرارات وحدها، وإنما تصنعه كذلك النفوس التي اتخذتها، والبيئات التي احتضنتها، والرؤى التي وجهتها، والمصالح التي دفعتها، والظروف التي قيَّدت مساراتها أو أطلقتها. ومن ثمَّ، فإن المذكرات السياسية تتجاوز حدود السرد الشخصي، لتغدو شهادات ذات طبيعة مركبة، تتداخل فيها الخبرة الذاتية بالواقعة العامة، والذاكرة الفردية بالسياق الجمعي، والانطباع الشخصي بالتحليل السياسي.

غير أن الإفادة من هذا اللون من الكتابة لا يمكن أن تتم إلا في إطار من اليقظة المنهجية والوعي النقدي؛ ذلك أن شهادات الذات، على ما تتيحه من إمكانات معرفية واسعة، ليست نصوصاً بريئة من التحيز، ولا معصومة من الانتقاء، ولا منفصلة عن نوازع التبرير أو إعادة بناء الذات في ضوء ما استقرَّ في الوعي اللاحق من نتائج وتفسيرات. ولهذا، فإن المؤرخ لا يتعامل معها بوصفها مرآة صافية للماضي، وإنما بوصفها نصوصاً تاريخية تحتاج إلى فحص وموازنة ومقارنة، واختبار مستمر في ضوء سائر الأدلة والقرائن.

وإذا كان من المسلَّم به في مناهج البحث التاريخي أن الأدلة تنقسم إلى أدلة أصلية وأخرى ثانوية، فإن شهادات الذات تحتل منزلة بالغة الأهمية بين هذه الأدلة، وتأتي – من حيث قيمتها التفسيرية – في مرتبة تلي الوثائق الرسمية مباشرة. فهي كثيراً ما تُعين الباحث على سدِّ الثغرات، ووصل ما انقطع من حلقات السرد، واستكمال ما تناثر من صور المشهد التاريخي، بما يمكّنه من بناء رؤية أكثر تركيباً، وأدق فهماً، وأقرب إلى الإنصاف في الحكم على القضايا والأحداث. وتتجلى شهادات الذات في صور متعددة، من أبرزها: اليوميات، والمذكرات، والذكريات، والسير الذاتية، والتراجم، والمقابلات الشخصية؛ لذلك يغدو من الضروري توضيح معنى كل صورة من هذه الصور ودلالتها.

أولاً: اليوميات (Diaries)

يُقصد باليوميات تلك الكتابات التي يدوّنها السياسيون، أو الأدباء، أو غيرهم ممن كانوا على صلة مباشرة بالأحداث والوقائع، على نحو يتيح لهم متابعتها عن قرب وتسجيلها في زمن حدوثها أو في فترات متقاربة منه. وتنبني خصوصية اليوميات على اقترانها الوثيق باللحظة التاريخية نفسها؛ إذ يثبت فيها الكاتب ما جرى في يوم بعينه، مقروناً بتاريخه، ومحملاً بتفاصيله المباشرة، قبل أن تبرده المسافة الزمنية أو تعيد الذاكرة تشكيله على نحو انتقائي أو تأويلي. ولا يُشترط في اليوميات أن تأتي على نسق يومي صارم لا ينقطع؛ فقد يلازم صاحبها التدوين زمناً، ثم ينقطع عنه زمناً آخر، غير أن العبرة تظل في أن يكون التسجيل معاصراً للحدث أو قريباً جداً من لحظة وقوعه، بحيث تبقى الوقائع محتفظة بحرارتها الأولى، وتفاصيلها الدقيقة، وشحناتها النفسية التي قد تتبدد لاحقاً. ومن هنا، تغدو اليوميات أقرب إلى الالتقاط الفوري لحركة الواقع، قبل أن يتدخل الوعي اللاحق في إعادة ترتيبه أو تهذيبه أو إخضاعه لمنطق النتائج.

كما تتميز اليوميات بأنها لا تقف – بالضرورة – عند الأحداث الكبرى أو القرارات المصيرية وحدها، بل تسجل كثيراً من التفاصيل اليومية التي قد تبدو لأول وهلة هامشية أو قليلة القيمة، غير أنها – في حقيقتها – تمنح الباحث مفاتيح ثمينة لفهم البيئة التاريخية في أبعادها الإنسانية والاجتماعية والنفسية. فهي تورد أحياناً اللقاءات العابرة، والملاحظات الشخصية، والانطباعات السريعة، وأخبار الحياة اليومية، إلى جانب الوقائع السياسية، وبذلك تحفظ للتاريخ نسيجه الحي، وتبقي على ما قد تُسقطه الروايات الكبرى من جزئيات كاشفة.

ومن النماذج الدالة على هذا اللون كتاب د. حسان حتحوت "يوميات طبيب مصري في فلسطين: النكبة الأولى 1948"، الصادر عن دار الهلال بالقاهرة سنة 1988. وتستمد هذه اليوميات أهميتها من كونها شهادة صادرة عن شاهد عيان عايش الحرب من موقع مباشر، بوصفه طبيباً تابع تفاصيل الميدان، واحتكَّ بالمصابين والجرحى، وعاشر الوقائع اليومية في قلب التجربة. غير أن هذه القيمة التوثيقية لا تحول دون ملاحظة بعض ما يعتري النص من نزوع ذاتي أو استطراد يخرجه أحياناً من صميم الحدث إلى هوامشه، فضلاً عما قد يظهر فيه من ملامح الانحياز الفكري أو التأثر بالموقف الأيديولوجي. فعند تناوله – مثلاً – لمذبحة دير ياسين، لا يكتفي بالسرد الخبري، بل يضمّن حديثه تعليقات تحليلية وانفعالية تكشف عن موقفه الذاتي من الحدث، وهو ما يجعل النص – على أهميته – محتاجاً إلى قراءة نقدية واعية تميز بين المادة الخبرية والرؤية الشخصية.

وفي هذا السياق، يصحُّ تصنيف مذكرات سعد زغلول – التي جاءت في ثلاث وخمسين كراسة – ضمن باب اليوميات، لا ضمن باب المذكرات بالمعنى الاصطلاحي الدقيق؛ إذ إنها سُجلت بصورة يومية، واشتملت على تفاصيل متصلة بالحياة العادية، لا بالأحداث الجليلة وحدها. ويدل ذلك على أن صاحبها لم يكن يدوّن بغرض الانتقاء التاريخي اللاحق، وإنما كان يسجل مجرى يومه بما فيه من مهمّ وعابر، وجليل ومألوف، وهو ما يُعَدُّ من أبرز الخصائص المميزة لليوميات.

ثانياً: المذكرات (Memoirs)

يمكن تعريف المذكرات بأنها كل ما يسجله أولئك الذين شاركوا في صنع الأحداث التاريخية من سياسيين، وعسكريين، وغيرهم، أو الذين كانوا على مقربة منها على نحو أتاح لهم متابعة الوقائع والأحداث عن كثب، وتدوينها في صورة شهادات مباشرة أو قريبة من زمن وقوعها. وتكتسب المذكرات قيمتها بوصفها مصدراً تاريخياً حين يكون صاحبها صانعاً للحدث، أو مشاركاً فيه، أو صاحب دور في سياقه العام، أو على درجة من القرب تُمكِّنه من حسن المتابعة ودقة الرصد، فضلاً عن تمتعه بقدر من الوعي يؤهله لفهم ما يجري وتسجيله. ومن ثمَّ، لا يمكن عدُّ كل كتابة عن الماضي مذكرات بالمعنى الدقيق؛ إذ ليست العبرة هنا بمجرد الكتابة عن الحدث، وإنما بطبيعة الصلة التي تربط الكاتب به. وعلى هذا الأساس، فإن ما كتبه عبد الرحمن الرافعي عن مصطفى كامل لا يدخل في باب المذكرات؛ لأنه لم يكن مشاركاً في الحدث، ولا معاصراً له على نحو مباشر. أما ما كتبه عن ثورة 1919، فإنه يكون – في هذه الحالة – أقرب إلى دائرة المذكرات، بحكم معاصرته لها ووعيه بسياقاتها.

ولا يُشترط في صاحب المذكرات أن يكون سياسياً، أو أديباً، أو عالماً، بل قد ينتمي إلى أي فئة اجتماعية أو مهنية، ما دام قد اضطلع بدور في سياق الحدث، أو كان قريباً منه قرباً يسمح له بالمتابعة الدقيقة. ومن ثمَّ، قد تصدر المذكرات عن شخصيات لا يُنتظر منها – في الظاهر – أن تكون من شهود التاريخ السياسي، مثل مذكرات حكمت فهمي التي أشارت فيها إلى دورها السياسي في الربط بين السادات والألمان، وكيف بدأت صلة السادات وبعض رجال الجيش بالمخابرات الألمانية. كذلك لا يُشترط أن يكتب صاحب المذكرات نصَّه بيده، إذ قد يمليه على غيره، ما دامت نسبة النص إليه ثابتة ومحققة. ومن أمثلة ذلك مذكرات إبراهيم فرج التي أملاها على حسين كرم، وكذلك مذكرات الباقوري "ثائر تحت العمامة"، وغيرها من النماذج التي تثبت أن القيمة التاريخية للمذكرات لا تتوقف على صورة تدوينها بقدر ما تتوقف على صحة نسبتها، وصدق صلتها بالحدث، وما تنطوي عليه من مادة قابلة للفحص والنقد التاريخي.

ثالثاً: الذكريات (Recollections)

أما الذكريات، فهي نصوص تُكتب بعد انقضاء الأحداث وابتعاد زمنها، حين ينصرف صاحبها إلى استرجاع ما عاشه، أو شهده، أو شارك فيه، فيعيد بناء الماضي من خلال ما استقرَّ في ذاكرته من صور، وما بقي في وجدانه من مواقف، وما رسخ في وعيه من دلالات. وعلى هذا، فإن الذكريات لا تقوم على التسجيل اليومي المباشر، وإنما على الاستعادة اللاحقة؛ وهي استعادة قد تستند إلى ذاكرة صافية نسبياً، وقد تعضدها أوراق خاصة، أو وثائق، أو مصادر معاصرة يستعين بها الكاتب لتقويم تذكره وتوثيق روايته. ومن هنا، فإن الذكريات تختلف عن اليوميات في طبيعة علاقتها بالزمن التاريخي؛ فاليوميات وليدة اللحظة أو قريبة منها، أما الذكريات فهي ثمرة مسافة زمنية تسمح بالتأمل وإعادة التفسير، ولكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام النسيان، والانتقاء، وإعادة تشكيل الحدث في ضوء ما عرفه الكاتب لاحقاً من نتائج، أو ما استقر لديه من مواقف.

ومن النماذج البارزة في هذا الباب ما صنعه محمد حسين هيكل في كتابه "مذكرات في السياسة المصرية"؛ إذ بيَّن في مقدمته أنه لم يعتمد على الذاكرة وحدها، بل رجع إلى بعض المصادر التي تعينه على ضبط الوقائع، ومن ذلك مراجعته لجريدة "السياسة"، لسان حزب الأحرار الدستوريين، حتى يستعيد ما دار من وقائع ويستوثق من بعض تفاصيلها. وهو يصرّح بذلك بقوله: «إنني استمليت هذه المذكرات من الذاكرة إلا قليلاً رجعت فيه إلى الكتب». وهذه العبارة ذات دلالة منهجية واضحة؛ لأنها تكشف عن طبيعة هذا النمط من الكتابة القائم أساساً على التذكر، وإن استعان بالمراجع والوثائق لتكميل الصورة أو تصحيح بعض جوانبها.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن كثيراً مما كتبه بعض السياسيين أو من عاصروا الأحداث الكبرى يندرج – في حقيقته – ضمن باب الذكريات، وإن حمل عنوان «مذكرات» أو اتخذ تسمية أخرى. ومن ذلك كتاب خالد محيي الدين "أنا أتكلم"، وكتاب عبد المنعم عبد الرؤوف "كيف أرغمت فاروق على التنازل عن العرش"، وغيرهما من الأعمال التي يغلب عليها طابع الاسترجاع اللاحق، وتبدو فيها الذاكرة فاعلاً أساسياً في بناء النص، وفي ترتيب مادته، وفي توجيه دلالاته.

وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة التي تمثلها المذكرات والذكريات واليوميات في كتابة التاريخ، فإنها لا تُعَدُّ مصادر يُركن إليها من غير تمحيص، بل تظل محاطة بجملة من الإشكالات المنهجية التي تفرض على الباحث قدراً عالياً من الحذر النقدي؛ فهي نصوص لا تخلو من أثر الذات الكاتبة، إذ تتداخل فيها الرؤية الشخصية بالواقعة التاريخية، ويخالطها الانتقاء والحذف، فضلاً عن تأثرها أحياناً بمعرفة النتائج اللاحقة للأحداث، بحيث يعاد تفسير الوقائع في ضوء مآلاتها لا في ضوء شروطها الأصلية. ومن ثمَّ، فإن المذكرات لا تنقل الحقيقة في صورتها المجردة الكاملة، وإنما تقدمها كما رآها صاحبها أو أراد أن يقدّمها، وهو ما يجعلها في حاجة دائمة إلى المقارنة بالوثائق الرسمية، والشهادات المعاصرة، وسائر القرائن التاريخية، حتى يمكن التمييز فيها بين الخبر والتأويل، وبين التسجيل والتبرير.

ومع ذلك، فإن هذه النصوص لا تفقد قيمتها، بل تظل ذات أهمية بالغة لأنها تحفظ جوانب قد تغفلها الوثائق الرسمية، وتكشف ما دار في الهوامش، وما تحرك في النفوس، وما جرى في الكواليس، فضلاً عن أنها تعبر عن وجهة نظر معاصرة للحدث، وتقدم صورة حية عن المناخ الفكري والسياسي والاجتماعي الذي كُتبت فيه، ولا سيما حين يعمد أصحابها إلى تدعيمها بأوراق خاصة أو وثائق مساعدة تزيدها قوة وثراءً. وتتنوع الدوافع التي تحمل أصحابها على كتابتها؛ فقد تكون وسيلة للتنفيس الانفعالي وتفريغ الشحنات النفسية، ولا سيما في اليوميات التي يلجأ فيها الكاتب إلى الورقة بوصفها موضع سرّه وبوحه، وقد تُكتب عن وعي بقيمتها المستقبلية بوصفها مادة أولية يمكن أن يستعين بها المؤرخ في استكمال صورة الحدث، وقد تمثل أداة للدفاع عن النفس أو الرد على اتهام أو تصحيح صورة اختلت في الوعي العام، كما قد تتحول إلى وسيلة لتعظيم الذات أو إعادة توزيع الأدوار التاريخية على نحو يمنح الكاتب موقعاً أكبر مما كان له في الواقع، أو يقلل من شأن غيره من الفاعلين، وقد تُكتب أيضاً بقصد توضيح أمر ملتبس، أو إعادة تفسير حادثة بعينها، أو رفع الغموض عن قضية شابها اللبس.

ومن المسائل التي ينبغي الالتفات إليها كذلك أن المذكرات، شأنها شأن غيرها من الوثائق، قد تتعرض للتزوير والانتحال، وإن كان ذلك أقل شيوعاً من تزوير الوثائق الرسمية، بسبب ما يرتبط بها عادة من خطوط أصحابها وقرائن نسبتها، ومع ذلك فقد عرف التاريخ الحديث وقائع شهيرة في هذا الباب، كما حدث في قضية ما عُرف بـ "مذكرات هتلر" التي تبيَّن زيفها بعد الفحص، وهو ما يدل على أن تأخر ظهور المذكرات لا يكفي وحده للطعن فيها، كما لا يكفي ظهورها المبكر لإثبات صحتها، إذ يبقى الفيصل دائماً هو سلامة التحقيق، وصحة النسبة، وتوافر الأدلة المادية والعلمية المؤيدة لها. وهكذا يتأكد أن القيمة العلمية للمذكرات لا تتحقق إلا إذا أُخضعت لمنهج نقدي صارم، يقوم على الفحص والموازنة والتحقق، وعندئذ فقط تغدو مصدراً تاريخياً ثرياً، لا مجرد سرد ذاتي يستمد أهميته من صاحبه أو من شهرته.