دراسات
شريف إمامالسمات العامة للحياة النيابية في مصر.. الجزء الثاني
2026.02.28
السمات العامة للحياة النيابية في مصر.. الجزء الثاني
السمة الثالثة: الافتئات على السلطة التشريعية والرقابية للبرلمان
عانت التجربة البرلمانية المصرية منذ نشأتها الأولى من تنازع في الاختصاص، فلم تكن سلطة التشريع خالصة لها، بل في بعض الحالات كان حظها من التشريع أقل من حظ السلطة التنفيذية. إن الافتئات المتكرر على السلطة التشريعية للبرلمان، أفضى إلى تفريغ اختصاصاته الدستورية من مضمونها العملي، وإبقاء حضوره في المجال العام حضورًا شكليًا أكثر منه فاعلًا. فبرغم النصوص الدستورية التي أقرت مبدأ فصل السلطات، ظلت الممارسة السياسية تكشف عن اختلال بنيوي في ميزان السلطات، حيث احتفظت السلطة التنفيذية – مدعومة أحيانًا بالقصر وأحيانًا أخرى باعتبارات الاحتلال أو أخرى بنزعات الحكم الاستبدادية – بقدر واسع من القدرة على توجيه العملية التشريعية أو تعطيلها، الأمر الذي حال دون ترسيخ استقلال تشريعي حقيقي للمؤسسة النيابية.
ويعضد ذلك ما شهده الواقع البرلماني في العصر الملكي من التفاف إجرائي متكرر على الاختصاصين التشريعي والرقابي عبر التوسع في إصدار المراسيم بقوانين خلال فترات العطلة البرلمانية بين أدوار الانعقاد؛ إذ قُيّد هذا الإجراء، من حيث المبدأ، بشرط الضرورة، غير أن التطبيق العملي كشف عن تحوّله إلى أداة تشريعية موازية تُستغل في ظل غيبة البرلمان لتمرير عدد وافر من القوانين دون مناقشة نيابية حقيقية. وهكذا انقلب الاستثناء إلى شبه قاعدة، وصدر التشريع في أحيان كثيرة بإرادة تنفيذية منفردة، ثم عُرض لاحقًا على البرلمان في ظروف تحدّ من قدرته الواقعية على الرفض أو التعديل، الأمر الذي قيّد وظيفته الرقابية وأضعف فاعليته التشريعية، وكرّس اختلال التوازن بين السلطتين.
تكشف النصوص الدستورية واللائحية في العهد الجمهوري، وخصوصًا منذ 1971، عن جملة من القيود التي حدّت من احتكار البرلمان لوظيفته التشريعية، رغم إقرار الدستور من حيث المبدأ بإسناد السلطة التشريعية إليه. فقد منح الدستور رئيس الدولة، بوصفه محور النظام السياسي، سلطات واسعة تمس المجال التشريعي مساسًا مباشرًا؛ إذ خُوِّل صلاحيات استثنائية في حالات الضرورة والطوارئ، كحالة الخطر المهدد للوحدة الوطنية، أو غيبة المجلس، أو التفويض التشريعي، فضلًا عن سلطة إعلان حالة الطوارئ، وهي جميعها آليات تتيح للسلطة التنفيذية التدخل في المجال التشريعي وتجاوزه عند اتساع مبررات الاستثناء. ويُضاف إلى ذلك حق رئيس الدولة في حلّ المجلس بعد الاستفتاء، وهو حق استُخدم في أكثر من مناسبة، بما جعل استمرارية المؤسسة التشريعية رهينة باعتبارات سياسية تتجاوز الإرادة الانتخابية.
ومن ناحية أخرى، أسهمت اللائحة الداخلية للمجلس في تكريس تمييز إجرائي بين مشروعات القوانين الحكومية واقتراحات القوانين المقدمة من الأعضاء؛ إذ تُحال مشروعات القوانين الواردة من الحكومة مباشرة إلى اللجان المختصة، في حين تُحال اقتراحات القوانين أولًا إلى لجنة الاقتراحات والشكاوى قبل نظرها موضوعيًا، الأمر الذي أفضى عمليًا إلى إبطاء المبادرات التشريعية النيابية أو تجميدها داخل المسار الإجرائي. وقد أكدت الممارسة البرلمانية أن عددًا كبيرًا من هذه الاقتراحات كان يُحفظ في اللجنة دون أن يبلغ مرحلة المناقشة الفعلية، بما منح الأفضلية التشريعية للمبادرات الحكومية، وأضعف قدرة المجلس على الاضطلاع بدور تشريعي مستقل ومتوازن.
وعلى هذا الأساس، تداخلت ظاهرة الافتئات على السلطة التشريعية مع فقدان التراكمية المؤسسية وعدم الاستقرار النيابي في حلقة متصلة؛ إذ حُرم البرلمان من ممارسة اختصاصه الأصيل في سنّ القوانين ورسم السياسات العامة بصورة منتظمة ومتواصلة، فتراجعت تقاليد النقاش التشريعي الرصين، وضعفت أدوات الرقابة البرلمانية، وتقلّصت فرص تراكم الخبرة المؤسسية. ومن ثمّ، ظلّت الحياة النيابية في كثير من مراحلها أسيرة هيمنة السلطة التنفيذية وتوازنات القوى السياسية، بدل أن تقوم على توازن دستوري راسخ بين السلطات، وهو ما عمّق بدوره هشاشة الاستقرار المؤسسي وأعاق نضج التجربة البرلمانية في بعدها التاريخي المتراكم.
السمة الرابعة: ضعف النظام الحزبي
تتمثل السمة الرابعة في حالة العِوَج البنيوي التي وسمت الحياة النيابية، ومردّها في جوهره إلى ضعف النظام الحزبي الذي يُعدّ القلب الصلب لأي تجربة برلمانية ناضجة؛ إذ إن البرلمان، في الأصل، ليس مجرد تجمع أفراد، بل هو تعبير مؤسسي عن برامج واتجاهات تتبناها كتل سياسية منظمة. ومن ثمّ، فإن أزمة الحياة الحزبية في مصر انعكست مباشرة على تطور الحياة النيابية، وألقت بظلالها على فاعليتها التمثيلية والتشريعية منذ بواكير التجربة البرلمانية الحديثة.
فقد أسفر إفلاس الأحزاب، الذي رافق الحياة النيابية، عن بروز ظاهرة «المستقلين» التي صاحبت الحياة النيابية منذ نشأتها المبكرة، بل إن استخدامها لم يكن بعيدًا عن تكتيكات الصراع السياسي ذاته؛ إذ لجأ بعض المرشحين، في خضم الأزمات الحزبية والضغوط الحكومية – كما حدث إبان أزمة الوفد مع وزارة زيور – إلى خوض الانتخابات بصفة مستقلين، ثم ما لبثوا أن أعلنوا انتماءهم الحزبي داخل البرلمان، في مشهد يكشف هشاشة البناء الحزبي وعدم استقراره. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يُحلّ البرلمان في يوم انعقاده عقب انتخاب سعد زغلول رئيسًا، بما يعكس تداخل الصراع الحزبي مع إرادة السلطة في التحكم بمسار المؤسسة النيابية.
ولم تكن الحياة الحزبية، في كثير من مراحلها، سندًا للحياة النيابية بقدر ما كانت أحد معوقاتها؛ إذ اتسمت بالضعف التنظيمي، والانقسام، وغياب البرامج المستقرة، الأمر الذي أفضى إلى برلمانات يغلب عليها الطابع الفردي أكثر من الانضباط الكتلي. المعروف أن النظام النيابي، في بنيته النظرية، يقوم على أساس وجود قوتين سياسيتين رئيسيتين تتنافسان داخل إطار النظام السياسي الواحد، في صورة ثنائية الحكم والمعارضة، بما يحقق قدرًا من التوازن والرقابة المتبادلة. فاستيعاب النظام السياسي لهذه الثنائية لا يعني مجرد تعدد شكلي، بل يفترض وجود معارضة حقيقية قادرة على مراقبة السلطة ومساءلتها، بما يمنح الحياة النيابية حيويتها ووظيفتها التمثيلية الفاعلة. غير أن استقرار هذا النموذج الثنائي يظل مرهونًا بطبيعة البنية السياسية والاجتماعية في المرحلة التاريخية المعنية؛ إذ يعتمد انتظام عمل النظام النيابي على قدرة الحياة السياسية على التبلور في قوتين أساسيتين تتداولان موقعي الحكم والمعارضة داخل الإطار العام للنظام. وإذا كانت الخريطة السياسية قابلة للاستقطاب الثنائي، اتسمت العملية النيابية بدرجة أعلى من الاستقرار النسبي، وانتظم التداول السياسي في إيقاع واضح تحكمه الانتخابات وتوازن القوى داخل البرلمان. أما المتابع للحياة الحزبية المصرية، فيرى أنها دارت دائمًا في فلك الحزب الواحد في جميع مراحل تطورها، ففي العصر الملكي لم تستطع أحزاب الأقلية تحقيق أي نصر على حزب الوفد، ولم تصل إلى أغلبية البرلمان إلا في غيابه عن الانتخابات، التي أُعدّت وفق مقاس ضيق يلائمها، أما في العصر الجمهوري، ففي فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر، كان البرلمان مكوّنًا من الحزب الواحد المهيمن على السلطة التنفيذية والمتغلغل في السلطة القضائية، ومع قدوم تعددية السادات المقيدة، بقي الرئيس رأس الحزب الواحد، والوزراء من أعضائه، فغدت بوابة التعددية الحزبية التي افتتحها بإطلاق المنابر الثلاثة مغلقة عمليًا بقانون الأحزاب، مما أضعف دور الحياة النيابية في التعبير عن إرادات متباينة وحصرها ضمن إطار محدود تحكمه السلطة التنفيذية.
ومن ثمّ، فإن ضعف النظام الحزبي لم يقتصر أثره على المجال السياسي العام، بل انعكس مباشرة على الأداء البرلماني؛ إذ تقوم الأحزاب، في النظم البرلمانية الراسخة، بوظيفة تجميع المصالح الاجتماعية، وصياغة البرامج، وتشكيل كتل نيابية متمايزة قادرة على المداولة والتشريع والرقابة. غير أن غياب أحزاب قوية منبثقة عن تعددية حقيقية، مقترنًا ببيئة سياسية غير مواتية لممارسة العمل الحزبي بحرية، أدى إلى تفكك الكتل البرلمانية، وضعف الانضباط السياسي داخل المجلس، وتراجع الدور البرنامجي للبرلمان، ليتحول في كثير من الأحيان إلى ساحة لأفراد أكثر منه مؤسسة تعكس توازنات حزبية واضحة. وهكذا أسهم اختلال البنية الحزبية في تكريس اعوجاج الحياة النيابية، وتعميق أزمتها التمثيلية، والحدّ من قدرتها على التطور المؤسسي المتراكم.
إن تحليل السمات الأربع التي طبعت الحياة النيابية المصرية يكشف عن هشاشة المؤسسات البرلمانية وعجزها عن ممارسة دورها الفاعل بشكل مستدام. فغياب التراكمية المؤسسية أفرغ التجربة النيابيّة من الخبرة المستمرة وأضعف القدرة على تطوير آليات التشريع والرقابة، بينما شكل عدم الاستقرار المؤسسي عائقًا مستدامًا أمام انتظام عمل البرلمان، إذ لم تُكمل أغلب الهيئات النيابية دوراتها الدستورية، بل تعرضت للحل والتعطيل تبعًا لتوازنات القوى السياسية والتحالفات السلطوية. وأدت هذه الممارسات إلى افتئات السلطة التنفيذية على الاختصاصات التشريعية، من خلال المراسيم بالقوانين أو الاستفتاءات الاستثنائية، ما قلّص دور البرلمان إلى وظيفة استشارية أو تصديقية في كثير من الأحيان. إلى جانب ذلك، أسهم ضعف النظام الحزبي في تفريغ الحياة النيابية من مضمونها التمثيلي، إذ لم تتح للأحزاب القدرة على تنظيم المعارضة أو تشكيل أغلبية متماسكة، فغدت التجربة النيابيّة محكومة بسيطرة حزب أو تنظيم مهيمن، أو بتحالفات ظرفية بين القوى السياسية، دون ضمان الاستقلالية والفعالية التشريعية. ومن ثم، يمكن القول إن هذه السمات المترابطة أسهمت في جعل البرلمان المصري على الدوام هيئة عرضة لتقلبات السلطة، عاجزة عن تحقيق استمرارية مؤسسية أو ترسيخ التقاليد النيابية، ما انعكس على ضعف الثقة في المؤسسات الدستورية وقيّد تطور الديمقراطية البرلمانية في البلاد.
- مراجع عامة:
- البشري، طارق. العهد البرلماني في مصر من الصعود إلى الانهيار 1923–1952، القاهرة: دار الشروق، 2012.
- رزق، يونان لبيب. قصة البرلمان المصري، القاهرة: دار الهلال، 1991.
- سوادي، محمد. البرلمان في الميزان، القاهرة: مطبعة الاعتماد، 1942.
- السيد، جلال. البرلمان المصري: تقاليد، رقابة، تشريع، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984.
- فاعي، عبد العزيز. فجر الحياة النيابية، القاهرة: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، 1866.
- لاندو، جاكوب. الحياة النيابية والأحزاب في مصر من 1866 إلى 1952، ترجمة وتعليق سامي الليثي. القاهرة: مكتبة مدبولي، د.ت.
- متولي، محمود. مصر والحياة الحزبية والنيابية قبل 1952: دراسة تاريخية وثائقية. القاهرة: دار الثقافة، 1980.
- هلال، علي الدين. الديمقراطية ونظام 23 يوليو 1952، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2022.