هوامش
ميراي فيلبستسييس الواحد وعشرين شهيدًا مصريًّا في ليبيا
2026.04.04
تمت الترجمة بواسطة: محمد السادات
تسييس الواحد وعشرين شهيدًا مصريًّا في ليبيا
مضى أحد عشر عامًا منذ بثَّ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الخامس عشر من فبراير عام 2015، فيديو مروعًا يصوِّر عملية قطع رؤوس عشرين قبطيًّا وغاني واحد على أحد شواطئ ليبيا. اختطف تنظيم «داعش» هؤلاء الرجال الذين كانوا عمالًا مهاجرين إلى ليبيا انحدروا من قرى صعيد مصر، في حادثتين منفصلتين في ديسمبر عام 2014 ويناير 2015. سرعان ما تورَّط هؤلاء الشهداء الواحد وعشرون، الذين صاروا رمزًا عالميًّا يجسد وحشية «داعش»، في الحرب على الإرهاب. يعكس ذلك التسييس معضلة المسيحيين في مصر والشرق الأوسط بأسره، حيث يُستغلون كأداةٍ من عدة جهات فاعلة، من الحكومة المصرية إلى اليمين المسيحي الأمريكي، لتحقيق أهدافهم السياسية.
غدا ذلك المشهد للموت تمثيلًا للشهادة المعاصرة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إذ اعتمدت الكنيسة هؤلاء الواحد وعشرين كقديسين وكرَّمتهم كشهداء، وحدَّدت الخامس عشر من فبراير يومًا لتكريم الشهداء الأقباط المعاصرين. عندما عُثر أخيرًا على جثث الشهداء واستُخرجت وأُعيدت إلى مصر، ليرقدوا بسلام في مثواهم الأخير، في مسقط رأس 13 منهم في قرية العور بمركز سمالوط بمحافظة المنيا. اليوم، أصبحت كنيسة شهداء الإيمان والوطن، التي اعتمدتهم شهداء الدين والوطن، موقعًا يحج إليه الكثير من المسيحين من أجل الصلاة للشهداء القديسين الواحد وعشرين وطلبًا لشفاعتهم. تحوَّل هؤلاء العمال المصريون المهاجرون إلى شهداء، كُرِّموا لصعودهم إلى ملكوت السماء على يد «داعش». تعضد هذه الحادثة على هوية قوية مفادها بأنَّ الكنيسة الأرثوذكسية هي كنيسة الشهداء التي ينحدر أتباعها من نسل الشهداء.
بينما قدست عملية صناعة الشهادة الواحد وعشرين شهيدًا ومعاناتهم، إلا أنها غطت على سياسات أكثر خبثًا. حاجج النقاد الأقباط أنَّ خطاب الشهادة القبطي الذي قدَّمته الكنيسة القبطية، يطبع قبول الأقباط بالمعاناة ويثبطهم عن المطالبة بحقوقهم. من الوضح أنَّ الكنيسة تعترف في المقام الأول بشهادة ضحايا الإرهاب كشهداء دينيين، إلا أنها تهمش ضحايا عنف الدولة من الأقباط، لا سيما شهداء مذبحة ماسبيرو. في نهاية المطاف، يعفي تمجيد الشهداء الدولة من واجبها تفادي هذه الوفيات من الأساس. إلا أنَّ هذا يعد جزءًا من الوفاق بين الكنيسة الأرثوذكسية والحكومة المصرية، والذي بمقتضاه تقدِّم الكنيسة التأييد السياسي في مقابل الحماية. لذلك، أدى رفض بعض الأقباط ذوي الوعي السياسي لخطاب الاستشهاد إلى الابتعاد عنه، والاتجاه بدلًا من ذلك إلى نشاط سياسي يطالب الدولة بتحمل مسؤوليتها السياسية.
في الواقع، عندما اختُطف الأقباط أول الأمر على يد «داعش»، لم تتصرَّف الحكومة بسرعة لتلبية مناشدات عائلات المخطوفين بالتدخل. مع ذلك، وفور بث مقطع «داعش» لمقطع الفيديو أعلنت الحكومة المصرية أنهم «أبناء مصر»، وأعلنت الحداد الوطني لمدة سبعة أيام، كما أمرت بشنِّ ضربات جوية على معاقل «داعش» في ليبيا. استثمرت الحكومة المصرية في تلك الحادثة لتبرير حربها على الإرهاب، قالت إن كل المسيحيين والمسلمين الوسطيين موحدين في مواجهة التهديد الوجودي المتمثل في الإرهاب والإسلام السياسي. لقد ارتكب الرئيس السيسي انتهاكات هائلة لحقوق الإنسان بذريعة محاربة الإرهاب والتي همَّشت من المجتمع المدني، بل وقمعت الخطاب السياسي للأقباط. على الرغم من أنَّ الأقباط بشكل عام كانوا داعمين للرئيس السيسي، إلا أنَّهم قد أصابهم الاستياء من سياساته.
على الرغم من تمجيدهم كشهداء للدين والوطن في الحرب على الإرهاب، لم تحظَ عائلات الضحايا ولا الكنيسة بالحماية من الطائفية على أرض الواقع. أثناء تشييع الجنازة، صرَّح مسؤولون مصريون بأنَّ الرئيس السيسي قد أمر القوات المسلحة ببناء كنيسة تكريمًا لشهداء ليبيا الواحد وعشرين في قلب قرية العور التي انحدر منها أغلب الضحايا. أثار التصريح موجة احتجاجية من قبل بعض المسلمين ضد بناء الكنيسة، مما عزَّز من الصراع الطائفي الذي وصل حد إلقاء زجاجات المولوتوف على الكنيسة. وافقت الحكومة بعد عقد مجالس المصالحة لتهدئة الصراعات الطائفية على نقل الكنيسة إلى تخوم قرية العور. حتى بعد تمجيدهم كضحايا الإرهاب لم يحظوا بالحماية من الطائفية وفشل الدولة في ضبط الاختلاف الديني.
لم تحظَ قصة الواحد وعشرين باهتمام الأقباط والمصريين وحدهم، إنما تردد صداها عالميًّا، وأثرت في المسيحيين في أنحاء العالم. في الكنيسة الكاثوليكية، أضافهم البابا فرنسيس إلى سجل الشهداء الروماني والذي ينص على أن «هؤلاء الشهداء لم يعمدوا بالماء والروح فقط وإنما أيضًا بالدم، ذاك الدم الذي زرع بذور الوحدة لكل أتباع المسيح». كما كتب مؤلف ألماني كاثوليكي كتابًا عن الواحد وعشرين، حيث رسم مسارهم إلى الاستشهاد، وشخصهم في هذه العملية بالنموذج المثالي على المسيحيين. أصدر فريقًا من سبعين فنانًا من جميع أرجاء العالم فيلم رسوم متحركة، وصل إلى القائمة القصيرة لجائزة الأوسكار، بأسلوب رسم الأيقونات القبطي الجديد من أجل أنْ يكون في مواجهة فيديو «بروباجندا» داعش لإظهار «الانتصار الروحي الذي حازه الشهداء القديسون». إنَّ تلك المواد الثقافية لهي النذر اليسير من مخزون أعم من وسائل الإعلام، والكتب، والأغاني عن الشهادة المسيحية العالمية.
وهكذا أصبح اليمين المسيحي الأمريكي من أبرز الأصوات المدافعة عن المسيحيين في الشرق الأوسط. أعلن نائب الرئيس الأمريكي، مايك بنس، في حفل عشاء عام 2017 الذي استضافته منظمة الدفاع عن المسيحيين: «تتعرض المسيحية لهجوم غير مسبوق في تلك الأراضي القديمة التي نبعت منها»، وبالنيابة عن إدارة ترامب، تعهد بمحاربة هؤلاء «الإرهابيين الإسلاميين المتطرفين» الذين تحركهم «كراهية المسيحيين». بالتالي، يتماشى الإطار العام للحرب على الإرهاب مع تطلعات جمهور يرى صعود العنف الإسلامي أقصى تهديد للحضارة المسيحية الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
إن قادة اليمينِ المسيحي الأمريكي رأوا في بعضِ الأنظمةِ السلطويةِ حلفاء مناسبين لهم، ومن بينها نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي؛ لأنَّ هذه الأنظمة تقدِّم نفسها بوصفها مدافعًا عن مسيحيي الشرق الأوسط، كما تظهر تشددًا واضحًا في مواجهة الإرهاب.
زارت وفود إنجيلية الرئيس السيسي؛ لمناقشة مسائل منها الحرية الدينية للمسيحيين، والإرهاب وإسرائيل. في عام 2019، حضر القادة الإنجيليون مايك بومبيو، وجويل روزنبيرج، وجوني مور مراسم افتتاح أكبر كاتدرائية في مصر بواسطة الرئيس عبد الفتاح السيسي والبابا تواضروس الثاني بابا الكنيسة القبطية في مصر. عند عودتهم، أبدى جويل روزنبرج وجوني مور رأيهما بأن الرئيس السيسي: «يستحق صداقة ودعم الولايات المتحدة الأمريكية» لجهوده «في محاربة عنف المتطرفين، وحمايته الحرية الدينية، وتعزيزه التعايش السلمي». لقد صاغوا صداقة سياسية لهزيمة عدو مشترك وهو «الإرهاب الإسلامي».
لم تُشكَّل قصة الواحد وعشرين السياسة الخارجية لأمريكا تجاه الشرق الأوسط وحسب، بل أنعشت أيضًا المخاوف المحلية بخصوص أوضاع المسيحيين في أمريكا. يستشهد اليمين المسيحي الأمريكي بالعلمانية المتنامية، ونشر «الأيديولوجيا الجندرية»، وتقنيين الزواج من الجنس نفسه، والإجهاض كأدلة على الحرب على المسيحيين. تعهد الرئيس ترامب بحماية المسيحيين في أمريكا والشرق الأوسط. وقبيل انتخابات 2025، غرد ترامب للمجتمع القبطي؛ مناشدًا «إيمانهم الثابت بالرب، وثباتهم عبر قرون من الاضطهاد، وحبهم لهذا البلد العظيم» ليصوتوا له. يتضافر خطاب الحرب العالمية على المسيحية للغاية مع المخاوف المحلية بشأن اضطهاد المسيحيين.
استدعى أعضاء اليمين المسيحي الأمريكي تصور الشهادة القبطي للتأكيد على اضطهاد مسيحيتهم داخل الولايات المتحدة. غرد إيريك ميتاكساس المؤلف المؤيد لترامب والشخصية الإذاعية، في اليوم السابق على تمرد الكابيتول في السادس من يناير 2021، ناشرًا صورة الشهداء الواحد وعشرين راكعين على ركبهم في البدل البرتقالية وكتب التعليق التالي: «ما الثمن الذي تعزمون على دفعه فداء ما تؤمنون به؟» ساوى ميتاكساس بين خسارة ترامب للانتخابات ونحر الأقباط على يد «داعش»، مطالبًا متابعيه بالتضحية من أجل إيمانهم السياسي. أثارت التغريدة حفيظة الأقباط المعارضين لتسييس الشهداء الواحد وعشرين من قبل اليمين المسيحي الأمريكي.
على الرغم من ترويجهم لذلك المنظور السياسي، فقد حذَّر النقاد من فشل إدارة الرئيس ترامب السريع في الوفاء بوعودها بخصوص الحرية الدينية للجماعات الدينية المحلية ولمسيحي الشرق الأوسط. في حين وعد ترامب بحماية مسيحي الشرق الأوسط، الذين قد حصل بالفعل على دعمهم السياسي، إلا أنَّ سياساته تجاه المهاجرين قد أضرَّت على نحو مباشر بتلك المجتمعات. أدت إجراءات حظر دخول اللاجئين إلى زيادة الصعوبات التي يواجهها المسيحيون الفارون من العنف في بلدانهم في سعيهم للحصول على اللجوء في الولايات المتحدة.
استهدفت غارات إدارة الهجرة والجمارك وموجة من عمليات الترحيل معقلًا لكلدانيي العراق في ديترويت. كما حاول الرئيس ترامب حظر فيزا قرعة التنوع، والتي كانت مسارًا يمكِّن العديد من الأقباط المسيحين من الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
إنَّ التصريحات المتعلقة بحماية المسيحيين في الشرق الأوسط لا تترجم إلى حماية فعلية على الأراضي الأميركية.
إنَّ تسيس الاضطهاد يحجب خلفه قصة أبسط عن المشاق والنبذ. أجبروا الواحد وعشرين رجلًا على ترك الراحة في بيوتهم من أجل الارتقاء الاقتصادي. في اليوم التالي على بث فيديو «داعش»، اعتذر الوالد المكلوم إلى ولده على عدم «امتلاكي مالًا كافيًا يمنعك من الذهاب إلى هناك». توجد في الكنيسة التذكارية في قرية العور، على مقربة من نعش ميلاد ماكين زكي حنا، بذلة برتقالية ملطخة بالدماء وربطات بلاستيكية بجوار جواز سفره المصري ومذكرة سجَّل فيها ديونه المالية. وفي سعيهم إلى حياة أفضل، وجد هؤلاء الرجال أنفسهم مهملين وفي خطر.
بموتهم فقط أصبح هؤلاء الواحد وعشرون رموزًا ممجدة. وفي حين أنَّ عملية صنع الشهداء التي تقوم بها الكنيسة والحكومة المصرية واليمين المسيحي الأميركي تقدس الرجال الواحد وعشرين ومعاناتهم، فإنَّها في الوقت نفسه تُنقِّي موتهم وتُعيد تقديمه في سياق السعي إلى حرب عالمية على الإرهاب.
المصدر: The Politicization of the 21 Libya Martyrs - Public Orthodoxy
[i] ميراي فيلبس، قبطية مصرية أمريكية، هي أستاذة مساعدة في علم الاجتماع بجامعة تورنتو. وهي متخصصة في الدين وحقوق الإنسان، وقد نشرت عن الأقليات الدينية في الشرق الأوسط، والاستشهاد القبطي، والسياسات الاستبدادية للحرب على الإرهاب.