عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

نجلاء عبد الجواد

التاريخ السياسي للأمومة المفروضة الدولة... وتوظيف الجسد الأنثوي

2026.04.18

التاريخ السياسي للأمومة المفروضة

الدولة... وتوظيف الجسد الأنثوي

 

تشترك كلمتا «أمة» و«أمومة» في جذر لغوي واحد «الأم»، وهذا الاشتراك ليس مصادفةً معجميةً، بل هو أثر لغوي لحقيقة سياسية عميقة، فمنذ أنْ تشكَّلت الدول الحديثة وراحت تبحث عن استمرارها، وجدت في جسد المرأة أقصر الطرق إلى المستقبل. الأمة تحتاج إلى أبناء، والأبناء يمرون بالضرورة عبر الأمهات، ومن هذه الضرورة البيولوجية البسيطة نشأ خطاب سياسي معقَّد امتدَّ لقرون عبر الدول والأيديولوجيات. غير أنَّ ما يستوقفنا ليس أنَّ الدول اهتمت بالإنجاب، فذلك أمر تفرضه متطلبات الاستمرار. ما يستوقفنا هو أنَّ هذا الاهتمام تحوَّل باستمرار إلى سلطة، سلطة على الجسد الأنثوي، وسلطة على قرار الإنجاب، وسلطة على معنى الأمومة ذاتها. وليست مصادفة أنَّ تتشابه الأنظمة الأكثر تفاوتًا في الفكر والتاريخ - الفاشية والاشتراكية والقومية الدينية - في شيء واحد جميعها، حيث نظرت إلى رحم المرأة كمورد تُديره الدولة، لا بوصفه حقًّا تمتلكه صاحبته. وحين يُعيد السياسيون اليوم الحديث عن «تشجيع الإنجاب» و«دعم الأسرة» و«الحفاظ على النسيج الديموغرافي»، فإنَّ هذه العبارات لها تاريخ طويل وضحايا، وفهم هذا التاريخ ليس ترفًا فكريًّا، بل شرط لازم لقراءة الحاضر والمستقبل.

في عام 1920، أصدرت فرنسا وسامًا رسميًّا أسمته «ميدالية الأسرة الفرنسية»، طُبع عليه أمٌّ ترعى طفلها وتحمل عبارة «الوطن يعترف». هذا الوسم كان يُمنح للمرأة التي تنجب عشرة أطفال أو أكثر. لم يكن ذلك مبادرة خيرية، بل كان رسالة سياسية صريحة معناها أنَّ رحم المرأة ملك للدولة، والإنجاب واجب وطني لا خيار شخصي، لأنَّ النزف الديموغرافي الذي خلفته الحرب العالمية الأولى كان مسوغًا سياسيًّا لفرض السلطة على أجساد النساء؛ فأُقرَّ القانون الذي جرم الإجهاض وتناول وسائل منع الحمل، وقدِّم للرأي العام لا بوصفه تقييدًا لحرية المرأة بل بوصفه إنقاذًا للأمة من الاضمحلال.

وفي إيطاليا الفاشية أطلق موسوليني «معركة المواليد» عام 1927، مستهدفًا رفع عدد السكان من 40 مليونًا إلى 60 مليونًا، مما ترتب عليه إقصاء المرأة من سوق العمل وأُعيدت قسرًا إلى البيت تحت شعار يختزل منطق الحقبة، «المرأة في البيت، الرجل في الحقل والميدان».

أما في ألمانيا النازية فقد أخذ هذا التوظيف بُعدًا عنصريًّا صريحًا؛ إذ مُنح «صليب الأم الألمانية» للنساء الآريات اللواتي يُنجبن، في حين خضعت النساء من الفئات التي صنفها النظام «دون المستوى» للتعقيم القسري. لقد أصبح الرحم صانع البطولة أو مرتكب الجريمة، حسب هوية صاحبته.

وقد يبدو النموذج السوفيتي مغايرًا لما سبق، إذ خرجت المرأة إلى العمل ونالت حقوقًا قانونية واسعة. غير أنَّ الدولة الاشتراكية التي أعلنت تحرير المرأة لم تتردد في العودة لتسيطر على رحمها حين اقتضت الحاجة.

ففي عام 1936 خلال حكم ستالين أُعيد تجريم الإجهاض بذريعة تراجع معدلات المواليد، ومُنحت الأم التي تنجب وتربي عشرة أطفال أو أكثر لقب «أم بطلة».

 وقد حملت حركات الاستقلال الوطني في القرن العشرين الخطاب التحرري ذاته قبل أنْ تكشف عن الالتباس نفسه؛ ففي الجزائر ما بعد الاستقلال حاربت المرأة إلى جانب الرجل وخاطرت بحياتها في ثورة التحرير، فلما جاء الاستقلال وجدت نفسها أمام دولة تحتفي بـ«أم الشهيد» أكثر مما تحتفي بالمقاتلة.

الأمومة لا النضال كانت الهوية التي أرادت الدولة الجديدة منحها للمرأة.

وفي إيران ما بعد 1979 شُجِّع الإنجاب صراحةً بوصفه «إمدادًا للثورة بالمقاتلين»، وهي حالة نموذجية تشير إلى التقاء رجلا الدين والسياسة في رحم المرأة.

كما أنَّ هناك وجه أشد قتامة لهذا التوظيف، يتجلَّى حين يتحوَّل الإنجاب إلى سلاح في صراعات الهوية والأرض، في فلسطين المحتلة باتت «القنبلة الديموغرافية» مصطلحًا يتردَّد في الخطابين المتقابلين: خوفًا في أحدهما وأملًا في الآخر، وفي كلتهما جسد المرأة هو ميدان الصراع.

لقد استُدعيت «أم الشهيد» في الخطاب السياسي بكثافة وصُنفت المرأة التي تُقدِّم أبناءها للموت نموذجًا للوطنية، في حين أنَّ المرأة التي تبكي وترفض وتحتج على الفقد كثيرًا ما تُسكت أو يُنظَر إليها بريبة.

ولاستيعاب هذه الصورة بكاملها لا يمكن إغفال وجهها المعاكس، فسياسة «الطفل الواحد» في الصين بين عامَي 1980 و2015 تضمَّنت في حالات كثيرة إجهاضًا وتعقيمًا قسريَّين.

وفي كندا والولايات المتحدة وأستراليا خضع السكان الأصليون لبرامج تعقيم ممنهجة امتدت حتى القرن العشرين، كلا الوجهين - الإجبار على الإنجاب، أو الإجبار على الامتناع عنه - يصدران من منطق واحد، ألا وهو أنَّ «جسد المرأة ملك للدولة».

ولا يبدو المشهد اليوم بالصراحة ذاتها، لكن الآليات لم تتغيَّر جوهريًّا؛ ففي المجر تحت حكم رئيس وزرائها فيكتور أوربان تُطلَق حزم دعم الإنجاب بخطاب مفاده بأنَّ المَجريِّات يجب أنْ ينجبن مجريِّين، كما أعادت روسيا بوتين عام 2022 إحياء لقب «أم البطلة» وسط حرب تستنزف الرجال مُكرِّرة المنطق ذاته بعد قرن من أول تطبيقاته.

هذا الضغط الاجتماعي المستمر نحو الأمومة لا يصل إلى المرأة كرسالة واحدة يمكنها رفضها، بل يصل متفرقًا في جملة عابرة من أم، وسؤال متكرِّر من قريبة، وتعليق طبيب، ونظرة جارة، وخطاب ديني، ومنهج مدرسي، هذا التراكم جعل المرأة تربط قيمتها بفعل الإنجاب، علم النفس يُسمِّي هذه الظاهرة «الاستيعاب الداخلي للمعايير الخارجية»؛ المرأة التي نشأت في بيئة تُعلي الأمومة وطنيًا أو دينيًا أو اجتماعيًا لا تتلقى هذه القيمة كقرار تتخذه بل كحقيقة عن طبيعتها. وتُنتج هذه الآلية أنماطًا نفسية كنمط الأمومة القسرية الصامتة حين يكون الضغط الخارجي أثقل من أي خيار داخلي، فتحمل المرأة في داخلها توترًا عميقًا بين حبها لأطفالها وبين الغضب الذي لا تستطيع تسميته من الحياة التي لم تخترها. ونمط أمومة الإثبات حين تربط المرأة احترامها لنفسها بمدى كونها أمًّا كاملة فتنهك نفسها في السعي إلى معايير مستحيلة، واكتئاب ما بعد الولادة المُزمن حين تجد المرأة أنَّ الواقع لا يشبه الصورة التي أُخبرت عنها، والنتيجة ليست رفضًا للطفل بل خيبة أمل عميقة من السردية ذاتها، خيبة لا تستطيع البوح بها لأنَّ المجتمع لا يوفِّر لغة لقول: «أنا أُحب طفلي وأنا في الوقت ذاته لا أُحب ما صارت عليه حياتي».

إنَّ ما تصنعه الأمومة المفروضة في طريقة التربية ليس مباشرًا ولا بسيطًا، فالمرأة التي أصبحت أمًّا تحت ثقل التوقُّعات لا بحريِّةِ الاختيار تميل بشكل غير واعٍ إلى نقل هذا الثقل إلى أطفالها؛ تُحمِّل طفلها ما لم تستطع هي تحقيقه، أو تُحوِّله إلى مصدر للمعنى الذي افتقدته. إنَّ الأمَّ التي لم تُعالج توترها الداخلي تجد صعوبةً في منح طفلها الأمان العاطفي، ليس لأنَّها لا تُريده بل لأنَّها لا تستطيع في الغالب أنْ تمنح ما لم تتلقاه، أو بالمعنى الدارج «فاقد الشيء لا يعطيه». وهكذا تتلقى البنت التي ترى أمها لم تختر حياتها رسالةً ضمنيةً مفادها بأنَّ هذا هو مصير النساء، وهكذا تتكرَّر الحلقة جيلًا بعد جيل.

أما على الصعيد المهني، تدخل كثير من النساء إلى سوق العمل وهن يحملن رسالةً ضمنيةً مفادها بأنَّ ما تفعله المرأة في أي مهنة عمل إضافي يمكن الاستغناء عنه. لذا حين تُنجب المرأة تكون بين مطلبَين، مجتمع يُريدها أمًّا حاضرةً كليًّا، وسوق عمل تريدها موظفةً حاضرةً كليًّا. كما أنَّ الأمهات العاملات يُعاقَبن على الأمومة، فيتاقضين رواتب أقل من النساء غير الأمهات، رغم أنَّ المستوى التعليمي لكليهما مماثل، في حين أنَّ الآباء يتقاضون رواتب أعلى من الرجال غير الآباء.

هكذا نرى الأمومة تُكلف المرأة مهنيًّا، بينما الأبوة تُكافِئ الرجل، وهذه المعادلة ليست صدفةً بل ثمرة ثقافة تُوزِّع الأدوار بحسب الجنس وتُعاقِب مَن يحاول تجاوزها.

و لا تنسى الدولة في كل عام حين يحلُّ الحادي والعشرون من مارس، أنْ تحتفل بعيد الأم، تمتلئ المحلات بالهدايا والورود، وتتصدَّر صفحات التواصل الاجتماعي صور الأمهات مشفوعة بآيات قرآنية تُعلي من شأن الأمومة وترفعها إلى مصاف القداسة، «الجنة تحت أقدام الأمهات» - عبارة لا تغيب عن لافتة أو منشور، غير أنَّ ما يغيب هو سؤال أكثر إلحاحًا، ماذا تجد الأم حين تبحث عن حقوقها القانونية لا في كتب الفقه بل في المحاكم، وفي أروقة المصالح الحكومية، وفي نصوص قوانين الأحوال الشخصية؟ لا يكاد يوجد في التراث الإسلامي ما يضاهي المكانة التي منحها للأم، الحديث النبوي الشهير «أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك» جعل من برِّ الأم واجبًا مُضاعفًا ثلاث مرات على برِّ الأب، غير أنَّ هذه الصورة المُضيئة حين تُفحص عن كثب تكشف عن انتقائية صارخة؛ ففي المنظومة الفقهية ذاتها التي تُعلي من شأن الأم تجد أنَّ الولاية الشرعية على الأطفال للأب لا للأم، وأنَّ حضانة الأم مشروطة بشروط يملك الرجل أو القضاء حق إسقاطها.

كما تكشف قوانين الأحوال الشخصية في معظم الدول العربية عن معادلة غريبة، الأم هي مَن تحتضن الطفل وتربيه وتسهر على صحته، لكنها ليست لها عليه ولاية قانونية إذا غاب الأب لسبب ما أو توفي، بل إنَّ أقارب الأب الذكور هم أصحاب الولاية على التعليم والسفر والزواج والقرارات الطبية الكبرى. وقد رصدت دراسات اجتماعية حالات لا حصر لها لأمهات حاضنات عاجزات عن تسجيل أطفالهن في المدارس أو استخراج جوازات سفرهم دون إذن آبائهم الغائبين أو المتوفين.

ومن أكثر المفارقات مأساوية أنَّ الفقه الإسلامي وضع نظام النفقة حمايةً للمرأة والطفل، غير أنَّ التطبيق القانوني في معظم الدول العربية حوَّل هذا الحق إلى رحلة مضنية تتحمَّل الأم عبء الإثبات أمام المحاكم وتنتظر سنوات، وحتى بعد صدور الحكم قد تعجز عن تنفيذه إذا آثر الأب التهرب. ثمة منظومة خطابية متكاملة تتشابك فيها المنابر الدينية والمحتوى الرقمي والموروث الشعبي، تعمل على إسكات شكاوى الأمهات باسم الدين؛ فالأم التي تشكو من إهمال زوجها تُذكَّر بالصبر والأجر، والمطلقة التي تطالب بحقوقها تُلام على «تشتيت الأسرة»، والخطير في هذا النمط أنه يستند انتقائيًّا إلى النصِّ الديني الذي يُعليه حين يريد إلزام المرأة بالتضحية، ويتجاهله حين يريد حرمانها من الحقوق.

إنَّ «الأم العربية» تحتفي بها الأشعار والمناهج التربوية والتعليمية وتُقام لها الاحتفالات، وتُكرَّم في العديد من المناسبات الرسمية، غير أنَّ هذا الاحتفاء كثيرًا ما يكون تعويضًا رمزيًّا عن غياب حقيقي؛ إذ إنَّ الخطاب الذي يُعلي من «قداسة الأمومة» هو في الغالب الخطاب ذاته الذي يرفض منحها حق الطلاق أو الميراث المتساوي، لذا القداسة هنا ليست تكريمًا، بل قيد يكبل المرأة ويخضعها لسلطة الدولة.

أما ما تصنعه الأمومة المفروضة في الحياة الجنسية، فهو الجانب الأقل نقاشًا والأكثر تأثيرًا. حين يكون الجسد الأنثوي في الخطاب الاجتماعي وعاءً للإنجاب أولًا، تتشرب المرأة تدريجيًّا رسالة مفادها بأنَّ جنسانيتها مشروعة بقدر ما تصب في هذه الوظيفة، والرغبة الجنسية المستقلة عن الإنجاب - الرغبة بوصفها لذةً وحاجةً إنسانيةً قائمةً بذاتها - تجد نفسها بلا مساحة، داخل الزواج بعد الإنجاب تحديدًا، حيث تعاني كثير من الأمهات مما يُسميه المعالجون النفسيون «تلاشي هوية الرغبة»، فيصبح الجسد الذي يُرضِع ويحمل ويسهر جسدًا وظيفيًّا، فتجد المرأة صعوبةً في التحول إلى كيان رغبوي مختلف في اللحظة ذاتها. وما يحدث بين الزوجين يتجاوز الحياة الجنسية إلى بنية العلاقة كلها؛ التوقع الاجتماعي الكامل الذي يقع على المرأة في مقابل توقع جزئي من الرجل يُراكم استياءً صامتًا يتحوَّل مع الوقت إلى مسافة عاطفية، الرجل يشعر بالمسافة ولا يفهم سببها، والمرأة تعيش الإرهاق ولا تستطيع تسميته، فيتحدَّثان عن المشكلة بلغة خاطئة، هي تبدو متذمرةً وهو يبدو غير مبالٍ، وكلاهما في الحقيقة ضحية توزيع أدوار لم يصنعاه.

إنَّ الأمومة تجربة إنسانية هائلة حين تختارها المرأة بإرادتها، وهي أداة إخضاع حين تُفرَض عليها باسم الأمة، أو الدين، أو العرق، أو الجماعة. إنَّ الدول التي وظَّفت جسد المرأة في خطابها السياسي لم تفعل ذلك حبًّا فيها، بل لأنَّها رأت في الإنسان، ذكرًا وأنثى، موردًا يُدار ويُحسب كسائر الموارد. والمجتمعات التي تكرِّر «الجنة تحت أقدام الأمهات» مدانة أخلاقيًّا إذا لم تُترجم هذا التقديس إلى ولاية قانونية كاملة، ونفقة ميسرة التحصيل، وحضانة لا تُنتزع بتعسف، وتأمين اجتماعي يصون كرامة الأم العاملة والمطلقة والأرملة على حد سواء. الأمومة تستحق أكثر من يوم واحد في السنة مُزيَّن بالورود والآيات. تستحق قانونًا يُنصف، ومحكمة لا تُرهق، ومجتمعًا يرى في الأم مواطنةً كاملة الحقوق، لا مجرد رمز مُعلق على الجدار، فكرامة الإنسان لا تبدأ إلا حين يكون جسده ملكًا له، لا لأحد سواه.