هوامش
نجلاء عبد الجواداختبار القبول: غزة وإيران تعيدان رسم الكونجرس الأمريكي
2026.11.07
اختبار القبول: غزة وإيران تعيدان رسم الكونجرس الأمريكي
استيقظت واشنطن، صباح الأربعاء، على خريطة سياسية لم يجرؤ أكثر الديمقراطيِّين تفاؤلًا على رسمها قبل شهور؛ فقد أعلنت وسائل الإعلام الأمريكية أنَّ الحزب انتزع الأغلبية في مجلسَي الكونجرس معًا، بعد أنْ قلب سبعة مقاعد جمهورية على الأقل في مجلس الشيوخ، من كانساس وأيوا إلى تكساس وأوهايو، ومين وكارولاينا الشمالية والجنوبية وغيرها من الولايات. غير أنَّ ما سيعلق في ذاكرة العرب والمسلمين من هذه الليلة ليس عدد المقاعد، بل اسم قادم من ضواحي ديترويت، هو الطبيب وخبير الصحة العامة عبدول السيد، الذي أعلن فوزه على الجمهوري مايك روجرز في ميشيجان ليصبح أول مسلم يجلس تحت قبة مجلس الشيوخ، متقدمًا بنحو 52.5% مقابل 46%.
قد يبدو التفسير الجاهز مغريًا، فغلاء المعيشة وسأم الناخبين من رئيس تراجعت شعبيته يكفيان في ظاهر الأمر لشرح كل شيء، إذ قال نحو 9 من كل 10 ناخبين في استطلاعات الخروج إنَّ كلفة الحياة كانت عاملًا كبيرًا في تصويتهم، وأبدى قرابة 6 من كل 10 عدم رضاهم عن أداء دونالد ترامب. وهذا صحيح بما يكفي لإحراج كل من يريد أنْ ينسب الانتصار إلى قضية واحدة، لكن الصحيح أيضًا أنَّ الاقتصاد وحده لا يفسِّر كيف أصبح مرشح مسلم يدعو إلى وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل هو مرشح الحزب الأول في ولاية مفصلية بعد أنْ أطاح في الانتخابات التمهيدية بنائبة ديمقراطية معروفة، ولا لماذا أصبح الاقتراب من أموال اللوبي المؤيِّد لإسرائيل عبئًا يتبرأ منه مرشحون ديمقراطيون كثيرون. هنا تحديدًا تبدأ حكاية فلسطين في هذه الانتخابات؛ فهي لم تكن بندًا في البرامج بقدر ما كانت المختبر الذي امتحن فيه الناخب الديمقراطي صدق حزبه. وهو مختبر لم تُصمم قاعاته أصلًا لهذا الاستخدام، فقد دخلته الجالية من باب الاحتجاج على الحرب ثم وجدت نفسها تكتب قواعد الامتحان.
صوت عربي متجاوز للاحتجاج
منذ حرب غزة، تغيرت وظيفة الصوت العربي والمسلم في الحسابات الأمريكية تغيرًا لا يلحظه مَن يكتفي بقراءة الأرقام الكبرى. ففي انتخابات 2024، عاقبت كتلة ناخبة واسعة في ميشيجان وغيرها إدارة بايدن ثم حملة هاريس، لأنها رأت في دعم الحرب تفريطًا بقيمها، وخلص مسؤولون في الحزب بعد الهزيمة إلى أنَّ موقف الحزب من غزة كلفه أصواتًا، مما منع رئيس اللجنة الوطنية للحزب من نشر التقرير الذي يقول ذلك. وما فعلته فلسطين بعد تلك الخسارة أنها نقلت الجماعة العربية من موقع الاحتجاج على الحزب من الخارج إلى موقع الصياغة من الداخل؛ فلم يعد المطلوب من المرشح أنْ يستميل المسلمين بخطاب مجامل، بل أصبح المسلمون أنفسهم مرشحين يحملون غزة لا كشعار عاطفي بل كحجة سياسية وأخلاقية واقتصادية معًا، تسأل لماذا تنفق واشنطن المليارات على الحروب الخارجية وهي تعجز عن تأمين العلاج والسكن لناخبيها. وهذا السؤال هو الخيط الذي جمع العرب والمسلمين بشباب تقدميِّين وعمال ومستقلين؛ إذ أيد نحو 7 من كل 10 ناخبين دون سن الـ30 مرشح الديمقراطيِّين لمجلس النواب في دوائرهم بحسب استطلاع وكالة «أسوشييتد برس»، وهي كتلة لا تُقاس قيمتها بعدد المسلمين فيها، بل بقدرتها على تغيير لغة الحزب كله.
ولا تخلو القصة من مفارقة تستحق النقد؛ فالتَّحوُّل الذي أنتجته غزة في المزاج الديمقراطي سبق قيادة الحزب بخطوات طويلة ولم تَقُده هي؛ حيث تقول استطلاعات استشهد بها موقع «واي نت» الإسرائيلي أنَّ قرابة ثلاثة أرباع الديمقراطيِّين أصبحوا يعارضون المساعدات العسكرية لإسرائيل بعد أنْ كانت النسبة 45% قبل ثلاث سنوات، وصوَّت 103 نواب ديمقراطيِّين هذا الصيف لصالح تعديل يلغي 3 مليارات و300 مليون دولار من المعونة السنوية، وإن سقط التعديل بأغلبية بلغت 324 صوتًا. وفي المقابل أوقفت لجنة القرارات في الحزب في أبريل الماضي مبادرة تدعو إلى النأي عن لجنة «أيباك»،؟؟؟ وهو ما يكشف أنَّ القاعدة تتحرَّك أسرع من المؤسسة، وأن انتصار الأربعاء الماضي يخصُّ جمهورًا أكثر مما يخص قيادة. ولو أراد الحزب أنْ يكون صادقًا مع نفسه لاعترف بأنه ركب موجة صنعها ناخبوه وشبابه ومسلموه، وأنه لم يمنحهم شيئًا لم ينتزعوه بأصواتهم وتبرعاتهم الصغيرة وإصرارهم الطويل.
وليس مسار هذا الصعود مفروشًا بالورود، فقد دفع المرشح المسلم ثمنًا لا يدفعه سواه. لقد وصفه ترامب بأنه «جهادي» بحسب ما نقلته صحيفة واشنطن بوست، واستحضر في حملته هجمات 11 سبتمبر والرحلة رقم 93، وتكاثرت الاتهامات بارتباطه بجماعة «الإخوان المسلمين». بينما أعلنت النائبة الديمقراطية هيلي ستيفنز، التي خسرت أمامه الانتخابات التمهيدية، تأييد خصمه الجمهوري قبل الاقتراع بيومين، ثم عادت فطالبته بالاعتذار عن تصريحات سابقة تتعلق بإسرائيل. وكان على المرشح أنْ يثبت براءته كل أسبوع من تهمة يكفي أنْ تلتصق بغيره حتى لا يلتفت إليه أحد، ثم فاز رغم ذلك بفارق واضح. والقراءة النقدية الأمينة تقول إنَّ الناخب في ميشيجان رفض استخدام الإسلاموفوبيا سلاحًا انتخابيًّا، لكنها تقول أيضًا إنَّ شرط القبول ما زال أعلى على المسلم منه على سواه، وإن الفوز لا يلغي الوصمة بل يعلن أنها لم تعد كافية للهزيمة. ولا يغيب عن القارئ أنَّ حملة الترهيب هذه جاءت في ولاية تعتبر من أكبر الولايات التي تضم تجمعات عربية وإسلامية في أمريكا، أي أنَّ الخصوم استهدفوا جمهورًا يعرفونه جيدًا ثم اكتشفوا أنه يعرف نفسه أكثر.
إيران كدفتر حسابات أمريكي
أما إيران فهي الوجه الآخر لهذه الانتخابات، والحلقة التي حوَّلت مسألة أخلاقية بعيدة إلى حساب محلي قريب. فالحرب مع طهران التي قاربت شهرها السابع عشية الاقتراع أصبحت من أكثر الملفات التي ينفر منها الأمريكيون؛ إذ قال نحو 6 من كل 10 ناخبين في استطلاع الخروج إنَّ العمل العسكري ضد إيران كان قرارًا خاطئًا، ووصفها 62% من المسجلين في استطلاع «أسوشييتد برس» بأنها من أهم القضايا، أي أكثر من الهجرة والجريمة اللتين ظلتا من أقوى أوراق ترامب، ولم تتجاوز نسبة التأييد لسياسته الخارجية 33%. ويضاف إلى ذلك طلب البيت الأبيض من الكونجرس 57 مليار دولار لتغطية نفقات الحرب، وهو رقم قرأه الناخب في ضوء أسعار الوقود والفواتير التي يتحملها. وفي ذلك درس بالغ الدلالة؛ فإذا كانت غزة هي الحجة الأخلاقية، فإيران كانت دفتر الحسابات، وبينهما التقى المعترضون على الحرب من العرب والمسلمين بجمهور واسع لا يهمه المصير الفلسطيني بالضرورة، لكنه يرفض أنْ يدفع فاتورة الحروب. وقد اعترف ترامب بعد الاقتراع بأنَّ الحرب أضرَّت بالجمهوريِّين، وقال إنه لا ينوي توجيه ضربة فورية لطهران لكن الخيار العسكري يبقى مطروحًا، فيما حذَّرت إيران من ردٍّ غير محدود جغرافيًّا على أي هجوم جديد.
وبين الملفين تقف مفارقة لا تقل غرابة، وهي أنَّ ترامب نفسه هو مَن فتح باب المراجعة في العلاقة بإسرائيل قبل أنْ يفتحه خصومه. ففي يوم الاقتراع، قال في مقابلة تلفزيونية إنَّ الولايات المتحدة لن تدفع لإسرائيل بنهاية العام، وإنَّه اتفق مع بنيامين نتنياهو على ذلك قبل أشهر. بينما فوجئت منظمات مؤيِّدة لإسرائيل في واشنطن، ومنها معهد «جينسا»، بالتصريح، وتمسَّكت «أيباك» بمذكرة التفاهم القائمة التي تمنح إسرائيل 38 مليار دولار حتى عام 2028، ولم يصدر عن مكتب نتنياهو تعليق. ورغم أنَّ توقيت الحديث قد يكون جزءًا من حسابات الصفقات أكثر منه تحوُّلًا مبدئيًّا، فإنَّه يبيِّن أنَّ الخلاف على المعونة لم يعد يقسم الحزبين على خط واحد؛ فمعارضتها أصبحت تضم جمهوريًّا مثل توماس ماسي الذي خسر انتخاباته التمهيدية بعد أنْ دعم ترامب منافسه، ويسارًا ديمقراطيًّا صاعدًا. وهذا يعني أنَّ فلسطين لم تعد قضيةً ينتزعها طرف من الآخر، بل مادة تتنازعها الأطراف جميعًا لأسباب متباينة. ولا تنفصل هذه الصورة عن الانتخابات الإسرائيلية التي جرت قبل أسبوع وانتهت إلى جمود، إذ إنَّ كتلة الأحزاب العربية الأكبر حجمًا فيها زادت حسابات الائتلاف تعقيدًا، فكأنَّ الصوت العربي يرتفع في الساحتين في الأسبوع نفسه.
نجاحات تتجاوز المقعد الواحد
إلا أنَّ الباب الذي انفتح لعبدول السيد لم ينفتح له وحده. فقد فاز آدم حماوي، الجراح من أصل مصري الذي وُلد في مصر وانتقل صغيرًا إلى نيوجيرسي، بالدائرة الثانية عشرة خلفًا للنائبة المتقاعدة بوني واتسون كولمان، بعد أنّْ هزم الجمهوري جريج ميلي بنحو 74% من الأصوات. وهو أول مسلم وأول أمريكي عربي يمثل الولاية في مجلس النواب. وقد بنى حملته على تجربة الطبيب الذي عمل في غزة ضمن بعثات طبية في عامي 2024 و2025 تحت شعار «الرعاية الصحية لا القنابل»، كما عُرف بمعارضته الصريحة للحرب على إيران، فجمع في شخصه القضيتين اللتين شكَّلتا هذه الانتخابات.
ورغم كل ذلك، ينبغي لمَن يحتفلون أنْ يتوخوا الحذر من الخلط بين تمثيل العرب والمسلمين وبين مكسب الفلسطينيِّين أنفسهم. فمجلس الشيوخ الجديد لا يعني أنَّ المعاناة في غزة ستنتهي، ولا أنَّ السلاح سيتوقف بقرار من الأغلبية الجديدة، فالرئيس ما زال يملك حقَّ النقض، وقواعد المجلس تجعل تمرير التشريعات الكبرى متعذرًا دون أصوات من خارج الأغلبية. والمعسكر الديمقري نفسه منقسم بين جناح تقدمي يريد إيقاف شحنات السلاح، وجناح معتدل لا يقبل إلا بتحويلها إلى معونة دفاعية. وقد سارعت جماعات داعمة لإسرائيل إلى القول إنَّ الأعضاء الجدد القادمين من يسار الحزب لن يكون لهم نفوذ يُذكر في أغلبية كبيرة كهذه.
والخطر الحقيقي أنَّ تتحوَّل الجماعة العربية والمسلمة مرة أخرى إلى أداة انتخابية يستدعيها الحزب عند الحاجة ثم يطوي ملفها، وأنْ يكتفي المنتصرون بالرمزية الجميلة وهم يتركون السياسة على حالها؛ فالمقعد الذي يمنح صاحبه صوتًا لا يمنحه تلقائيًّا قدرة على إلزام أحد بالإصغاء. وقد تعلمت الجالية من تجربة 2024 أنَّ الغضب يصنع الخسارة لخصومها لكنه لا يصنع وحده الحكم، وأنَّ الانتقال من التأثير في النتيجة إلى التأثير في القرار يحتاج إلى مؤسسات وكوادر وصبر أطول من دورة انتخابية.
امتحان الثالث من يناير
وفي النهاية تبدو الانتخابات أشبه بامتحان قبول لا نتيجة نهائية؛ فقد نجح العرب والمسلمون الأمريكيون في تحويل غضبهم من غزة إلى مقاعد وأصوات وأسماء، واكتشفت أحزاب كثيرة أنَّ إهمالهم مكلف، وأن الحرب على إيران جعلت الاعتراض على سياسات الشرق الأوسط موقفًا شعبيًّا لا موقف أقلية.
غير أنَّ الاختبار الحقيقي يبدأ في الثالث من يناير عندما يؤدي النواب والشيوخ الجدد اليمين؛ فهناك سيظهر هل تحوَّلت الأصوات إلى سياسات، وهل يستطيع عبدول السيد ورفاقه أنْ يحرجوا القيادة الديمقراطية بدل أنْ يزينوا واجهتها، وهل تصبح غزة التي صنعت جانبًا من هذا الفوز ملفًا حيًّا على طاولة الكونجرس الجديد، أم تعود إلى زاوية الخطب والبيانات بعد أنْ تنطفئ أضواء الاحتفال. وإلى أنْ يتضح ذلك، يبقى الحكم على هذه الليلة معلقًا بين أنْ تكون بداية تحول حقيقي وأنْ تكون لحظة عابرة تسجلها كتب التاريخ بوصفها أول مرة جلس فيها مسلم من أصول عربية في مجلس الشيوخ.