عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

راجي مهدي

في نقض الأمر الواقع الصهيوني

2026.04.04

في نقض الأمر الواقع الصهيوني

 

ليست الظاهرة وليدة لحظتها، وفحصها موضوعيًّا لا يمكن أنْ يكتمل إلا بما يشبه تشريحها وصولًا إلى لحظة ميلادها، إليكم مثال عملي لفحص الظاهرة نفسها بالنظر فقط في لحظتها الراهنة كطريقة لا جدلية، وفحصها بالوصول لمنشئها من أجل تكوين فهم جدلي ودقيق عنها. لدينا كيان- في قاموس ما هو دولة- يُدعى «إسرائيل»، تعمل قواته على ثلاث جبهات على أقل تقدير، في لبنان وفلسطين المحتلة وإيران.

 

لماذا تقاتل إسرائيل على ثلاث جبهات؟

 يجيبنا الليبرالي قائلًا إنَّ إسرائيل تواجه تهديدات من البلاد الثلاثة، وهي تسعى في ظلِّ هذه المشاعر العدوانية التي تحيطها، لتأمين نفسها في الإقليم. تلك إجابة نموذجية تفترض أنَّ إسرائيل دولة طبيعية، تواجه تهديدات في محيطها الحيوي وترد عليها بما يفرضه هذا الوضع.

 لكن ثمة إجابة أخرى تقول إنَّ إسرائيل كيان استعماري أُسِّس بالقهر العسكري واقتلاع وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من أرضهم، وهو كيان أُسِّس بأمر استعماري مباشر في قلب المنطقة التي شكَّلت عقدة مواصلات مهمة وأرضًا غنية وسوقًا واسعة. منطقة تشهد تمردات عديدة على السيطرة الاستعمارية التقليدية وتجتاحها مشاعر قومية قد يكون من الصعب السيطرة عليها في المستقبل، بتأسيس هذا الكيان يستطيع الاستعمار أنْ يلعب في المنطقة دوره الجديد عبر الارتكاز على إسرائيل لصيانة مصالح كبار الاحتكاريين العالميين وتأديب وقمع كل محاولة لتعكير صفو التمدُّد السلس لمصالح تلك الاحتكارات.

 بالطبع يمكن الإسهاب في تفصيل الإجابتين، لكن ليس هذا هو غرض المقال، بل يستهدف المقال أساسًا تحليل طريقة للنظر في الظواهر تُفضي مباشرة إلى التخندق البديهي مع إسرائيل في الخندق نفسه، تحليل تلك الطريقة في ضوء طريقة أخرى تُفضي بلا مواربة لتجريم الوجود الإسرائيلي وكل ما يترتب عليه. 

إنَّ الانطلاق من إسرائيل كأمر واقع يجب التماهي معه لا يستوي مع الانطلاق من إسرائيل كأمر واقع مرفوض، حيث المنطلق الأول يعتمد على حيثيات من قبيل إسرائيل موجودة، قوية، متقدمة، والأهم أنَّ لا تضاد بينها وبيننا، و«بيننا» تلك بالطبع في ذهنية أصحاب هذا الخطاب تختلف عن «بيننا»، التي يُروَّج لها على أنها تشمل الجميع، جميع العرب، من رأسمالييهم وفقرائهم، حكامهم ومحكوميهم، وهذا المنطلق يتعمد تجاهل الظاهرة المسماة إسرائيل في نشأتها وتطورها لصالح إسرائيل البلد «الحداثي، المتقدم، الديمقراطي، النموذج» كما يوصف وكما هو عليه الآن. بينما المنطلق الثاني قائم على فهم عميق للعلاقة بين نشأة إسرائيل وبين كل مظاهر البؤس والتخلف العربيَّين، ليس فقط أنَّ قيام إسرائيل كان نتيجة لهذا البؤس وذاك التخلف، بل إنَّ قيام إسرائيل تحديدًا كان بغرض ضمان ديمومة هذا البؤس.

 كم مرة صادفنا مثقفًا أو فنانًا، أو لنقل كم مرة طالعنا وجه أحدهم وهو يلقي علينا العظة من كل تاريخ صراعنا مع إسرائيل؟ هم متفوقون لأنَّهم متقدمون وديمقراطيون ويهتمون بالعلم ويعملون بجد ولا يؤجلون عمل اليوم إلى الغد، بينما فلاحنا كسول وعاملنا «يزوغ» من مصنعه، وعالمنا يهرب إلى الغرب، لكن مرة واحدة لم يتبرع أحد هؤلاء بإخبارنا لماذا دون بقية البلاد في تلك المنطقة النكدة تفوقت إسرائيل، بينما رسبنا في كل اختباراتنا، وهل هي صدفة يا ترى أم أنَّ تفوق إسرائيل يمثل جزءًا مهمًّا من تخلفنا؟ يبدو المنطق الذي يُروِّج لعظمة إسرائيل كالتالي: مجموعة من السيارات انطلقت من النقطة نفسها في خطوط متوازية ومعزولة، لكن بمعجزة تعطَّلت جميع السيارات إلا سيارة واحدة كسرت الرقم القياسي، وباجتهاد سائقها وحده. تلك النظرة الوضعية للأمر تبدو ظاهريًّا دعوةً للبحث في علاتنا، وهي دعوة منطقية حقًّا، لكن يراد بها باطل، فإنَّ علاتنا كثيرة لكن إسرائيل ضالعة فيها بجزء جوهري يتمثَّل ببساطة في أنَّها تمارِس دورها، دورها بوصفها كيانًا وظيفيًّا هدفه إعادة إنتاج علاقات الهيمنة في تلك المنطقة. 

 

هل أبدو هنا وكأني أروِّج لنظرية مؤامرة ما؟ 

الحقيقة، إنني لا أنكر المؤامرة، وهي حاضرة عبر التاريخ، لكن المؤامرة في الحقيقة ليست شيئًا سقط من السماء كصخرة سحقتنا. إنَّ المؤامرة في ذهني ليست سوى مفاعيل على الأرض، والتآمر فيها أنَّ أطرافها تفعل فعلها بشكل خفي على الناس. إنَّ التآمر لا ينكر السببية بل يعمل بها تحديدًا.

 المؤامرة مثلًا تقول إنَّ مصر الناصرية استعانت بخبراء ألمان لتطوير برنامج للصواريخ، واجه البرنامج نوعين من الصعوبات، ترهل الدولة الناصرية وسوء أدائها من جهة، واستهداف إسرائيل لعلماء البرنامج الصاروخي هذا من جهة أخرى، هذا الاستهداف هو التآمر لإفشال برنامج صاروخي يهدِّد ميزان القوى مع إسرائيل أو على الأقل تأخيره عبر منع تجذره بما يكفي لنقل خبرات العلماء الألمان لعلماء مصريين.

صحيح أنَّ هذا البرنامج كان بالإمكان استكماله بمساعدات فنية من جهات صديقة كثيرة وقتها وهذا هو ما مكَّن المؤامرة الإسرائيلية من النجاح، أنَّ مصر لم تسعَ لخلق حلول بديلة. 

في الوقت نفسه أُتيح لإسرائيل ليس فقط تحصيل خبرات عسكرية هائلة، وارتباطات عضوية بالسوق العالمية، بل أُتيح لها في وقت قياسي توطين صناعات ثقيلة وصناعات عسكرية بميزات تفضيلية حوَّلتها من قاعدة تتلقى السلاح إلى قاعدة تنتجه دون ضغوط أو تهديدات وبحماية هائلة وصلت حد السماح لها بإنتاج سلاح نووي يضمن لها أفضلية مطلقة، ويؤمن خللًا عميقًا في ميزان القوى الإقليمية لصالحها.

 لم نطلع أبدًا على مثل هذا الطرح في كتابات «الليبراليين العرب»، و«النيوليبراليين العرب» الذين نقلوا الصراع على إسرائيل إلى مجالات أخرى تنطلق أساسًا، وكما أسلفنا أعلاه، من كون إسرائيل أمرًا واقعًا لا يجب علينا سوى محاولة مباراته لا كنسه. لعل الإخوة الليبراليين يعانون كثيرًا لأنَّهم يحجمون عن تلقيننا أنَّ إسرائيل هي دولة شعب الله المختار فعلًا، إنهم يرسخون أو يحاولون ترسيخ شعور ما بالدونية تجاه إسرائيل، بما يضمن تفوقها وإن كانوا يقسمون أنَّهم يريدون أنْ نطاولهم. فيما نطاولهم؟ في التفرقة بين الأشكيناز والسفرديم؟ أم في يهودية الدولة وجدار الفصل العنصري؟ أم نطاولهم في كل أشكال التمييز بين يهود إسرائيل ذاتهم وبالطبع التمييز بالدم على العربي «الآخر الدخيل»؟ 

لا تناقض في ذهن الليبرالي العربي - لعل وجود ليبراليين عرب هو في حد ذاته تناقض صارخ - بين ديمقراطية إسرائيل التي يدلل عليها باللجان العديدة للتحقيق في إخفاقات حرب أكتوبر مثلًا ومجازر صبرا وشاتيلا وقانا والتي لم تترتب عليها إدانة لأحد أو تغيير في السلوك الإسرائيلي الذي وصل ذروته في حرب غزة وفي القانون الصادر للتو بالتصديق على عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، والذي سوف يصل يومًا حدَّ استخدام السلاح النووي ضد بلد أو أكثر من بلدان المنطقة.

 إذن، ينصح الليبراليون العرب بأن نتخلى عن فكرة الصراع وننشغل ببناء أنفسنا، غير أنَّهم أيضًا لن يخبرونا لماذا حين أممت مصر قناة السويس لتمويل بناء السد العالي، لماذا احتلت إسرائيل سيناء بتخطيط مع فرنسا وبريطانيا؟ لم تكن لإسرائيل أسهم في شركة القناة المُؤمَّمة؟ تُرى لأنَّ إسرائيل مثلًا مرتبطة بمصالح القوى الإمبريالية؟ ألم يكن تأميم القناة خطوةً في طريق البناء؟ خطوةً لا تماس ظاهرًا بينها وبين إسرائيل، قناة في أرض مصرية، تم حفرها بالسخرة وبدم ١٢٠ ألف مصري، استعادتها مصر فضربتها إسرائيل، لماذا تسقط تلك الممارسات من حسابات الليبراليين العرب وسرديتهم؟ 

العلة الحقيقية هنا هي أنَّ استعادة القناة للسيادة المصرية، ومشروع الناصرية الذي، وحتى تلك اللحظة، لم يسعَ لأي اشتباك من أي نوع مع إسرائيل، كان مشروعًا لبناء مختلف عن هذا الذي يطالب به أساطين الليبرالية العربية.

إنَّ البناء المرجو هو الذي يقود مباشرة إلى السوق العالمية دون قيد حيث هناك نلتقي بإسرائيل ابنة هذه السوق وقاعدة صيانة ديمومته، في هذه السوق مطلوب منا أنْ نتواجد بوصفنا مصدرًا لليد العاملة الرخيصة وللمواد الخام، ومشتريًا لسيل بضاعة لا تتوقف عن السريان من الشمال للجنوب مع رؤوس الأموال التي تعود مُحمَّلة بأرباح لا تنتهي، وتقف إسرائيل في هذه السوق كمعسكر مدجج بالسلاح يؤمِّن دوران العجلة ويتطوَّر من موقع مميز كونها تلقت وتتلقى باستمرار معاملة تفضيلية كما أسلفنا وتعمل في هذه السوق لا كبلد طرفي بل كقطعة من المركز الإمبريالي في قلب المنطقة، أي أنها لديها سبل الوصول كافة للتكنولوجيا الرفيعة مدنيًّا وعسكريًّا وتحظى بمعاملة متكافئة في صنوف التبادل كافة، لا كبلد تابع من بلدان المنطقة بكل ما تحمله التبعية من معنى على بلدان الجنوب العالمي التي، وللتناقض ومن موقع تبعيتها، تنبت فيها نخب ليبرالية تعمل على ترسيخ تلك التبعية.

 والحال هذه، تصدح تلك النخب بضرورات التعامل بواقعية مع إسرائيل، ليست الواقعية التي تعني التقييم الموضوعي والاعتراف بالخلل في ميزان القوى لصالح إسرائيل، وليست الواقعية التي تتبنى خيار إزالة هذا الخلل في إطار صراعي، بل الواقعية التي تريد فرض الانسحاق تحت وطأة هذا الخلل، وكأنَّ هذا الخلل يعد دحضًا ما على بطلان حقيقة أنَّ إسرائيل كيان مصطنع ومؤقت، فكيف لكيان مؤقت أنْ يصبح بهذا الجبروت، وكيف يود البعض مناطحة هذا الجبروت، العقلانية تقول إنَّه من الأجدى التماهي مع هذا الجبروت والبحث عن مساحة للعيش المشترك، لعل هذا هو الأساس الذي عليه بُنيت الهرولة النخبوية العربية نحو لقاء النخب الإسرائيلية، وفي إطاره تشكَّلت ظواهر كجماعة كوبنهاجن واتفاقات أوسلو. وهي هرولة تنكر أساسًا جدوى هذا التاريخ الصراعي الذي لم يقم إلا على أساس إدراك عميق باستحالة تحديث المنطقة بوجود إسرائيل، فإذا بها ترفع شعار تحديث المنطقة عبر التعاضد مع إسرائيل المتقدمة.

 هذا هو بعينه الغرق الوضعي في لحظة مقطوعة السياق بما سبقها وما سيليها، كأنَّ فيلمًا طويلًا اختُصر في لقطة واحدة.

صحيح إسرائيل متفوقة، وصحيح هناك خلل فادح في ميزان القوى، لكن هذا ليس بلا سبب، لكن البحث عن هذا السبب هو مشروع مَن مضوا في الفيلم مِن اللحظة الحالية حتى وصلوا إلى لحظته الأولى، أما إنكار الفيلم كله والغرق في المشهد الحالي فهو مشروع هؤلاء الذين يريدون ترسيخ هذا الخلل لصالح قوى مستفيدة منه.

 إنَّ السياق الإقليمي شديد التعقيد والانحطاط والرجعية، لكن إسرائيل ومَن تمثلهم إقليميًّا ودوليًّا هي أسوأ ما في هذا السياق، هذا السوء ليس وصفًا أخلاقيًّا بل هو تشخيص لتردي اللحظة والخيارات البديلة، وإذا كان هؤلاء يرون في إسرائيل نموذجًا ما فإنَّ كل مَن يقاتل هذا النموذج سيظلون موصومين، ليس لأنَّهم ثيوقراطيون، وهم كذلك الآن، وليس لأنَّ مشروعهم البديل لن يزيح التردي، وهو كذلك، بل سيظلون موصومين لأنَّهم يقاتلون إسرائيل بما هي من سياق اجتماعي وسياسي يمثل مصالح نقيضة لها ولهم، سيظلون موصومين لأنَّهم بقتالهم ولو لم يدركوا ذلك، ينزلون إسرائيل النموذج من عليائها ويثبتون أنَّ تلك المصالح التي تمثلها إسرائيل ليست مُحصَّنةً وقبول أمرها الواقع وما يلقيه من فتات ليس فرضًا سوى في سردية تسعى بلا مواربة لتثبيت الهيمنة القائمة في المنطقة.