عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

مدثر محمد

رحلة الذات في الغرف المغلقة.. من دهشة البدايات إلى ارتباك العودة

2026.06.20

رحلة الذات في الغرف المغلقة.. من دهشة البدايات إلى ارتباك العودة

 

على حافة الجسر القابع خلف الأسوار، بين مرارة السجن وآمال الحرية، ثمة تجارب قد تبدو قاسية، لكنها تُشكِّل وجدانًا ووعيًا جديدًا يعايش الواقع المعاصر، ويتفهَّم ماهية التعامل مع المجتمع بطوائفه كافة.

هناك، لا سبيل للخروج من مآزق التفكير؛ فالعقل هو الصديق، وحديث النفس هو طاولة الحوار الدائمة. وهناك أنت الوحيد، والجميع باحثون عن ملاذ الحرية، وقد يفصلهم يومًا ما عنك باب الخروج، فيصبحون ذكرى تتهافت على أذهانك يومًا بعد يوم؛ ولكن ما أصعب التجربة، وما أجمل الرحلة، وما أصدق الشعور الإنساني فيها! فبعد فترة عامين ونصف العام قضيتها خلف الأسوار، أسعى إلى تقديم تفسيرٍ ممنهج لأطوار السجن، وقد قسَّمتها إلى ثلاثة أطوار تمتد منذ البداية حتى النهاية؛ والبداية هي اليوم الأول داخل الزنزانة، والنهاية هي لحظة استعادة الحرية.

 

طور الصدمة

يتمثَّل هذا الطور في الأشهر الثلاثة الأولى داخل الزنزانة، ويتمحور حول سؤالٍ جدليٍّ تصعب الإجابة عنه في ذلك الوقت: أين أنا؟

ويتفرّع عن هذا السؤال العديد من الأسئلة الأخرى: أين أسرتي؟ أين منزلي؟ ولماذا أنا قابع في هذا المكان؟ أحقًّا هذا هو القدر؟ أهذه النهاية أم البداية؟.

حقًّا، كانت هذه الأسئلة تراودني خلال الأشهر الثلاثة الأولى من فترة السجن، وقد استمرَّ معي طور الصدمة مدة طويلة، وهي ثلاثة أشهر كاملة. وأصنّف هذه المدة على أنَّها طويلة مقارنةً بمَن مرّوا بتجربة السجن من الوافدين الجدد؛ فهناك مَن انتقل إلى الطور التالي بعد أسبوعٍ تقريبًا، وكانت تلك أقصر مدة رأيتها داخل السجن.

أما أنا، فقد استمرَّ معي هذا الطور كل تلك المدة؛ لأنني لم أتخيّل يومًا أنْ يكون هذا هو مصيري، ولم يخطر ببالي أنْ يقودني القدر إلى هذا المكان. ومن هنا جاءت الصدمة، ومن هنا استمرَّ هذا الطور طويلًا.

فكم كانت المعاناة قاسيةً في هذه المرحلة؛ إذ تجد نفسك مضطرًا للتعايش مع مجتمع جديد يسعى لفرض قوانينه عليك، وما عليك إلا الانصياع والتقبُّل حتى تتمكَّن من فهم هذا العالم المختلف والتكيُّف معه.

تبدأ في مراقبة أساليب التعامل بين الآخرين، وطريقة حديثهم، وتفاصيل حياتهم اليومية، وتحاول فهم القوانين غير المكتوبة التي تحكم ذلك المكان.

وفي الجزء الأخير من هذا الطور تبدأ مرحلة التعلُّم والتعرُّف؛ فتتعرَّف إلى المجتمع الجديد، وتدرك طبيعة العلاقات داخله، وتفهم ما يجوز وما لا يجوز.

 وهذه المرحلة لا تنتهي بانتهاء طور الصدمة، بل تمتد إلى الطور الثاني أيضًا؛ فداخل السجن، كما في الحياة كلها، لا يوجد مجال إلا للتعلّم. فكل يوم يحمل خبرةً جديدةً، وكل مرحلة تمنح الإنسان قدرًا أكبر من النضج والفهم. ولذلك كانت الصدمة، على قسوتها، هي الخطوة الأولى نحو إدراك أعمق للذات وللآخرين.

 

طور التعايش

أما الطور الثاني، فهو من أسهل الأطوار وأقربها إلى قلبي؛ لأنَّه يحمل في طياته الكثير من الذكريات والأحداث التي يصعب على العقل أنْ ينساها.

طور التعايش هو طور الرحلة والتجربة، وطور اكتساب الصلابة والقوة والارتقاء بالنضج الفكري؛ ففي هذه المرحلة يصبح الكتاب هو الصديق الأقرب، ويصبح التعلُّم هو ملاذ الحرية الوحيد. وما أجمل أنْ تتعايش داخل رواية فتغادر جدران السجن ولو بخيالك! وما أجمل أنْ تتذوق الشعر العامي وتستمتع بعذوبة كلماته وإيقاعه! ففي تلك الفترة رافقتني شخصيات الروايات أكثر مما رافقني البشر أحيانًا.

ما أجمل «مريمة» في «ثلاثية غرناطة»، وما أروع أجواء الأربعينات في «زهرة الخشخاش»، وما أعمق الصراع الأبدي بين الخير والشر في «الحرافيش» و«أولاد حارتنا»! كانت الكتب نافذةً مفتوحةً على العالم، ومتنفسًا حقيقيًّا للعقل والروح. ولم تكن القراءة وحدها رفيقة الرحلة، بل كانت الأغاني والقصائد كذلك. فكنت أتغنَّى بأشعار أحمد فؤاد نجم على ألحان الشيخ إمام، وأستمتع بعامية صلاح جاهين، وأقف بإعجاب أمام كبرياء فؤاد حداد، وأحزن مع رحلة نجيب سرور الطويلة في عشق الوطن. ولعل نجيب سرور كان الأقرب إلى قلبي؛ فقد كنت مفتونًا بصدقه، وبالطريقة التي عبَّر بها عن آلامه وآماله. كنت أرى في كلماته شيئًا من المعاناة الإنسانية التي تجمع بين السجين والشاعر، وبين الإنسان وحلمه الدائم بالخلاص.

لكن رغم جمال هذا الطور، كانت هناك مأساة تتكرَّر كل مساء، وهي مأساة إدراك الواقع. فبعد ساعات من القراءة أو الضحك أو الحديث مع الأصدقاء، يعود العقل ليذكِّرك بالحقيقة المؤلمة: «أنت ما زلت داخل السجن».

هناك دائمًا باب مغلق يفصلك عن العالم، وهناك دائمًا حنين إلى الأسرة، وإلى الشوارع، وإلى الحياة الطبيعية؛ لذلك كانت جلسات السمر والضحك وسيلةً للهروب المؤقت من ثقل الواقع، لكنها كانت تنتهي في الغالب بالتفكير المرهق في الحرية، ثم ينتهي اليوم، وتعود إلى سريرك، وتبدأ دورة جديدة من الروتين اليومي الذي يتكرَّر بلا انقطاع. عندها تدرك قيمة الحرية أكثر من أي وقت مضى، وتفهم أنَّ كثيرًا مما كنا نعدّه أمرًا عاديًا في الخارج كان نعمة لا تُقدَّر بثمن.

 

طور إخلاء السبيل

أما الطور الثالث والأخير، فهو طور إخلاء السبيل، وهو في رأيي من أصعب الأطوار التي قد يمرُّ بها أي إنسان خاض تجربة السجن.

يبدأ هذا الطور مع اللحظة التي تلامس فيها قدماك أرض الحرية. والمفارقة أنَّ صعوبة هذا الطور تزداد كلما طالت مدة السجن؛ فالشخص الذي قضى عامًا واحدًا لا يعاني بالدرجة نفسها التي يعاني بها من قضى عامين أو ثلاثة أو أكثر.

فالسجين يعيش داخل مجتمع معزول عن العالم الخارجي، وكل ما يصله من حياة الحرية هو ساعات الزيارة المحدودة التي قد تتراوح بين نصف ساعة وساعة، وربما تزيد أحيانًا أو تنقص بحسب الظروف. وحتى تلك الزيارة نفسها تحمل معاناة نفسية كبيرة؛ لأنَّ ألم انتهائها قد يكون أشد من متعة حدوثها.

وعندما تخرج أخيرًا إلى الشارع، ينتابك شعور غريب يشبه شعور الصدمة الأولى، ويعود السؤال القديم ولكن بصيغة جديدة: أين أنا؟ هل حقًا أصبحت حرًّا؟ أم أنَّ ما يحدث مجرد حلم؟ كم من الليالي سهرتها منتظرًا هذه اللحظة، وكم من مرات أصابني اليأس وفقدت الأمل في حدوثها، ثم عاد الأمل من جديد، ثم تراجع مرة أخرى؟ لذلك تبدو الحرية في لحظاتها الأولى أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع!

لكن الانخراط الحقيقي في طور إخلاء السبيل يبدأ مع أول صباح خارج السجن؛ عندها تواجه سؤالًا آخر: مَن هؤلاء الناس؟ لقد اعتدت على مجتمع كامل عشت معه يومًا بعد يوم، اعتدت على وجوه محددة، وأصوات معينة، وروتين ثابت. أصبحتْ تلك الحياة، رغم قسوتها، جزءًا من واقعك اليومي، ثم فجأة تجد نفسك في عالم مختلف تمامًا. فترة عامان ونصف العام من التعايش داخل بيئة واحدة كفيلة بجعل التأقلم فيها أمرًا طبيعيًّا، لكن خلال يوم أو يومين فقط تصبح في واقع آخر، وعليك أنْ تبدأ عملية تأقلم جديدة.

وخلال هذه المرحلة تظهر معاناة فهم الحياة بعد فترة الغياب؛ فتكتشف أنَّ كثيرًا من الأشياء قد تغيّرت. هذا تزوَّج، وتلك أنجبت، وذلك الصبي الصغير أصبح رجلًا ناضجًا. قد تبدو مدة عامين ونصف العام قصيرةً عند ذكرها، لكنها كافية لإحداث تغيُّرات هائلة في حياة البشر. ثم تظهر معاناة أخرى قد ترافق الإنسان سنوات طويلة، وهي الخوف من العودة إلى السجن مرة أخرى؛ فكم من مرة يدق باب الغرفة فتعود الذكريات دفعة واحدة، وكم من مرة ترى سيارة شرطة فترتد بك الذاكرة إلى الماضي بكل ما يحمله من تفاصيل وأحداث.

ومع ذلك، يحمل هذا الطور جانبًا مبهجًا لا يمكن إنكاره، وهو أنَّ الحرية أصبحت واقعًا ملموسًا؛ فهناك لذة خاصة لا يشعر بها إلا مَن فقد حريته ثم استعادها. تستمتع بالسير في الشوارع، والوقوف على الأرصفة، ومشاهدة السيارات العابرة. تستمتع بالأشياء البسيطة التي كان الآخرون يمارسونها دون أنْ يلتفتوا إليها؛ فبعد الحرمان الطويل، تتحوَّل التفاصيل الصغيرة إلى مصادر حقيقية للسعادة.

غير أنَّ الذاكرة تظلُّ مرتبطةً بأصدقاء الداخل، وكثيرًا ما يأخذك التفكير إليهم؛ فتتخيل ماذا يفعلون الآن، وكيف يمضي يومهم. تتذكَّر أنَّهم ربما يستيقظون في هذه اللحظة لتسلّم الطعام، أو يجتمعون لمشاهدة مباراة، أو يتبادلون الأحاديث ذاتها التي كنت تشاركهم فيها، فتزداد حنينًا إليهم، وتشتاق إلى تلك الصحبة التي جمعتها المعاناة والأمل المشترك في الحرية. وربما يكون الفراق عنهم أحد أكثر الجوانب إيلامًا في تجربة الخروج.

 

ما بعد طور الحرية

ومع مرور الوقت وتجاوز عقبات الصدمة الأولى، يبدأ الإنسان في إدراك حقيقة مهمة: الحياة ليست بهذا الجمال الطوباوي الذي تخيلناه ونحن خلف الأسوار؛ فالحياة الحرة أيضًا مليئة بالمشاق والتحديات. صحيح أنَّ معاناة الحرية أخف وطأة من معاناة السجن، لكن من التناقض أنْ نحاول المقارنة بين آلام البشر؛ فلكل إنسان معركته الخاصة، ولكل مرحلة أعباؤها المختلفة.

ومع تردّي الأوضاع الاقتصادية وتزايد متطلبات الحياة، تبرز معاناة أخرى تتمثل في توفير الاحتياجات الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، وإعادة بناء ما تهدَّم خلال سنوات الغياب. فبعد عامين ونصف العام من الانقطاع، تجد نفسك مطالَبًا بإصلاح الكثير من الأشياء: تعويض ما فاتك في التعليم، واستعادة الاستقرار المادي، والوقوف إلى جوار أسرة تقدَّمت بها السنون، وإعادة ترتيب تفاصيل الحياة من جديد. وهذا الإصلاح لا يأتي بسهولة، بل يحتاج إلى صبر طويل، وجهد مستمر، وإرادة قوية. ومع ذلك، يبقى الفارق الجوهري أنَّ كل تلك التحديات تُواجَه وأنت حر.

بين صدمة البداية، وتعايش المنتصف، وارتباك الحرية؛ يُعاد تشكيل الوعي والوجدان الداخلي للإنسان. وبين هذه الأطوار جميعًا، يبني الإنسان نفسه من جديد، ويتعلّم أنَّ الحرية ليست مجرد باب يُفتَح، بل مسؤولية، وتجربة، وإحساس عميق لا يدرك قيمته كاملةً إلا مَن حُرِم منه يومًا ما.ش