هوامش
نجلاء عبد الجوادحوار مع رياض رفعت الأزمات تصنع فنًا أكثر صدقًا.. والمؤسسة الثقافية مساحة آمنة
2026.05.16
حوار مع رياض رفعت الأزمات تصنع فنًا أكثر صدقًا
والمؤسسة الثقافية مساحة آمنة
من شقة صغيرة بمدينة نصر إلى مؤسسة تشع بالفنون
رياض رفعت، مهندس كهرباء، أمضى سنوات في مهنته التقنية التي تقوم على الدقة والحسابات والمعادلات الصارمة. لكن مَن يعرفه عن قرب يعرف أنَّ ثمة جانبًا آخر في شخصيته لم يتوقَّف عن النمو بالتوازي مع مسيرته المهنية، واهتمام حقيقي وعميق بالثقافة والفنون بدأ منذ أيام كان طالبًا في المرحلة الثانوية ولم يفارقه.
لم يكن هذا الاهتمام هواية عابرة يملأ بها وقت الفراغ، بل كان سؤالًا متكرِّرًا يطرحه على نفسه: لماذا تظلُّ الثقافة حكرًا على دوائر بعينها بينما يحمل كثيرٌ من الشباب طاقةً إبداعيةً حقيقيةً لا تجد مَن يستقبلها؟
من هذا السؤال وُلدت فكرة «مؤسسة ألوان للثقافة والفنون»، لكنها لم تُولد دفعةً واحدةً ولا من فراغ.
بدأت على شكل اجتماعات ولقاءات في شقة صغيرة بمدينة نصر، حيث كان رياض وعدد من أصدقائه يجتمعون بانتظام للحوار في الثقافة والأفكار والفنون.
مع الوقت اتسعت الدائرة وأصبح واضحًا أنَّ ما يجري يستحق إطارًا مؤسسيًّا حقيقيًّا، وهو ما كان في عام 2012 حيث أُعلن رسميًّا تأسيس «ألوان».
اليوم تُقدِّم المؤسَّسة طيفًا واسعًا من الأنشطة، يشمل ورش تعليم فنون الجلود والطباعة على الأقمشة والمكرمية والكروشيه، إلى جانب فرق المسرح والرقص الحديث والحكي الشعبي، وورش التصوير والكتابة الأدبية وكتابة المحتوى، وتبقى فاعلية المعسكر الذي يجمع شبابًا من كل أطياف المجتمع، باشتراك مالي زهيد هي الأكثر تعبيرًا عن هوية المؤسسة وفلسفتها، التي أتاحت الثقافة للجميع بغض النظر عن الموقع الجغرافي أو الإمكانات المادية.
ما يجعل تجربة رياض رفعت مع «ألوان» جديرة بالتأمل والدراسة هو أنَّها تجمع بين شخصية تؤمن بالعمل المنهجي المُنظَّم ورؤية ثقافية تؤمن بالتنوع والانفتاح. رجل درس الهندسة، وتعلم منها كيف يبني على أسس متينة، وأسَّس مؤسَّسةً ثقافيةً لا تزال تعمل بعد 13سنة في وسط يعاني من شُحِّ التمويل وتقلبات المناخ الاجتماعي والسياسي، وهذا في حدِّ ذاته إنجازٌ لا يمكن إغفاله.
في هذا الحوار يتحدَّث رياض رفعت عن مسيرته الشخصية وعن قرار التأسيس وما رافقه من تحديات، وعن فلسفة «ألوان»، وكيف تُدار مؤسسة ثقافية مستقلة في سياق مُعقَّد، وعن رؤيته للمشهد الثقافي المصري وعلاقته بالتَحوُّلات الكبرى التي شهدتها البلاد، وعن السؤال الذي يعود إليه دائمًا: كيف تحافظ مؤسَّسة ثقافية على صدقها مع هدفها الأصلي كلما كبرت وامتدت.
* أنت مهندس كهرباء في الأصل.. كيف وجدت نفسكَ تُؤسِّس مؤسَّسةً ثقافيةً؟ وهل ترى تقاطعًا حقيقيًّا بين الهندسة والثقافة؟
- الهندسة علَّمتني أنْ أفكر بمنهجية.. أنْ أرى المشكلة وأبحث عن حلول عملية لها. وحين انخرطتُ في العمل الثقافي وجدتُ أنَّ المنهجية ذاتها ضرورية هنا أيضًا. الفارق الوحيد هو أنَّ المادة التي نعمل عليها في الثقافة هي الإنسان لا الكهرباء، لكن المبدأ واحد: تحديد الاحتياج، وتصميم الحل، وقياس الأثر. الهندسة لم تُبعدني عن الثقافة بل أعطتني أدوات أحتاجها في إدارة مؤسسة ثقافية فعلية.
* متى بدأ شغفك بالثقافة؟ وكيف تَحوَّل إلى مؤسسة رسمية؟
- الاهتمام بدأ مبكرًا جدًّا، منذ المرحلة الثانوية كنت منجذبًا للأفكار والفنون والنقاش الثقافي، وفي الجامعة ازداد هذا الاهتمام وتعمَّق، كنا مجموعة أصدقاء نجتمع بشكل منتظم في شقة صغيرة بمدينة نصر، نتناقش في الثقافة والفنون والأفكار المختلفة. مع الوقت بدأ ينضمّ إلينا أشخاص جدد وتوسَّعت الدائرة، لكن الخطوة الفعلية نحو التأسيس جاءت من تجربة بسيطة جدًّا، ذهبت إلى جامعة القاهرة ووقفت أنظر للطلبة ثم تقدَّمت منهم وعرضت عليهم فكرة «ألوان»، وبالفعل تحمَّس لها الكثير منهم وهكذا من جامعة القاهرة لجامعة عين شمس لجامعات أخرى، لحظتها أدركت أنَّ ما نفعله يستحق أنْ يكون له إطار مؤسسي حقيقي، وفي عام 2012 أطلقنا «ألوان» رسميًّا.
* ما الفراغ الثقافي الذي أردت أن تملأه؟ وكيف استقبل المحيطون بك هذا القرار؟
- لاحظت أنَّ الشباب الذين يريدون الانخراط في الفنون والثقافة لا يجدون مساحات متاحة وميسورة التكلفة تستقبلهم كما هم، معظم ما كان موجودًا إما أن يكون مرتبطًا بنخبة بعينها، أو مكلفًا ماديًّا، أو مقيدًا بتوجه محدد. أردت لـ«ألوان» أنْ تكون مختلفة؛ مفتوحة لكل مَن يريد أنْ يتعلم أو يُبدع بغض النظر عن مستواه أو خلفيته.
أما ردود الفعل، فكانت متباينة؛ منهم مَن دعم الفكرة من اليوم الأول، ومنهم مَن تشكَّك في إمكانية الاستمرار، لكن العمل على الأرض هو الذي أجاب عن كل التساؤلات.
* لماذا اخترت اسم «ألوان»؟ وكيف تعرِّف الثقافة بعد سنوات من العمل؟
- الاسم يُعبِّر عن فلسفة المؤسسة بشكل مباشر، نؤمن بأنَّ الثقافة لا لون واحد لها، وأننا نرحِّب بكل الأفكار المختلفة وكل البشر المتنوعين وكل الفنون المتعددة، هذا التنوع ليس شعارًا بل هو الطريقة التي ندير بها عملنا فعليًّا، أما تعريفي للثقافة فقد تطوَّر مع الوقت، كنت في البداية أراها منتجات فنية وأدبية، أما اليوم فأراها العلاقة التي يبنيها الإنسان مع نفسه ومع الآخرين من خلال الفنون والمعرفة والتعبير. المؤسسة الثقافية الناجحة هي التي تقوي هذه العلاقة لا تلك التي تكتفي باستعراض المنتجات.
* أين تقف في الجدل بين الفن الملتزم بالقضايا والفن المستقل؟
- لا أرى هذا الجدل مثمرًا في الواقع العملي، الفنان الذي يعمل بصدق ينتج عملًا يعكس قضايا حقيقية تلقائيًّا دون أنْ يكلف نفسه الالتزام بأجندة محددة، والفن الذي يُصنَع لخدمة رسالة مسبقة الصياغة غالبًا ما يفقد أثره لأنَّ الناس يشعرون بافتعاله. في «ألوان» نمنح المبدع مساحةً حرةً لأنَّ الحرية هي الشرط الذي يجعل الإبداع حقيقيًّا ومؤثرًا.
* كيف تحافظ «ألوان» على هويتها الثقافية المحلية في مواجهة العولمة؟
- نعمل على المستويين في آنٍ واحد ولا نرى بينهما تعارضًا، ننظم ورشًا لتعلُّم الفنون التراثية، والأشغال اليدوية كالمكرمية والكروشيه والرسم على الفخار والنحت، إلى جانب فنون معاصرة كالرقص الحديث، والتصوير الفوتوغرافي، وكتابة المحتوى والمونتاج، هذا التنوع مقصود لأننا نؤمن بأنَّ المبدع الذي يعرف جذوره قادر على الانخراط في الثقافة العالمية دون أنْ يفقد خصوصيته، فالانغلاق على الموروث المحلي فقط مشكلة، والتخلي عنه كاملًا مشكلة أيضًا.. التوازن هو الخيار الصحيح.
* عشتَ تَحوُّلات سياسية واجتماعية كبرى في مصر... كيف أثَّرت على المشهد الثقافي؟
- التَحوُّلات الكبرى تؤثر على الثقافة بشكل مباشر وملموس، بعض المراحل فتحت مساحات للتعبير لم تكن موجودة من قبل، ومراحل أخرى ضيَّقت هذه المساحات، لكن ما لاحظته أنَّ المبدع الحقيقي لا يتوقَّف، يتكيَّف ويجد طرقًا للتعبير بأشكال مختلفة، وهذا في حدِّ ذاته يدل على أنَّ الثقافة ليست ظاهرةً هشةً، بل لها قدرة على الاستمرار حتى في الظروف الصعبة.
* هل الثقافة تنكمش في المحن أم تشتعل؟ وهل الإبداع الذي يخرج من الأزمات أعمق؟
- من تجربتي الميدانية المباشرة، أرى أنَّ الأزمات تدفع بعض المبدعين إلى إنتاج أعمال أكثر صدقًا وعمقًا لأنَّهم يتعاملون مع واقع حقيقي ومضغوط، لكن هذا ليس قاعدة مطردة، فهناك مَن يُنتج في الأزمة ومَن يتوقف تمامًا، ما أؤمن به هو أنَّ المؤسسة الثقافية في أوقات الأزمة لها دور أكبر لا أصغر، مثل توفير مساحة آمنة للتعبير والمعالجة النفسية والاجتماعية عبر الفنون، هذا بالضبط ما حرصنا على أنْ تظلَّ «ألوان» تفعله.
* هل تعرضت «ألوان» لضغوط بسبب المناخ السياسي أو الاجتماعي؟
- أي مؤسسة مستقلة تعمل في سياق اجتماعي وسياسي تواجه بالضرورة لحظات من هذا القبيل، ما ساعدنا على إدارة هذه اللحظات هو وضوح هويتنا من البداية ، نحن مؤسسة تخدم الإنسان وتنمي قدراته الإبداعية، وهذا موقف يصعب الاعتراض عليه من أي جهة، تكيَّفنا أحيانًا في أساليب العمل لكننا لم نتنازل عن الهدف الأساسي.
* المثقف والسلطة.. أين ترسم الخط بين التعاون والتبعية؟
- الخط واضح من الناحية العملية، فالتعاون مقبول حين يخدم ما تؤمن به أصلًا وتعمل من أجله، أما حين يُطلب منك تغيير رسالتك أو محتواك أو توجُّهك مقابل الدعم، فهذه نقطة الرفض. الاستقلالية لا تعني العداء لأحد، تعني الاحتفاظ بحق اتخاذ القرار الفكري والمحتوى، وهذا الخط حرصنا على ألا نتجاوزه في «ألوان».
* حين تضرب الأزمات الاقتصادية تُوصف الثقافة بأنها «كمالية».. كيف ترد؟
- هذا الوصف خاطئ ويضر بالمجتمع على المدى البعيد. الثقافة ليست ترفًا، بل هي أحد العوامل الأساسية في التماسُك الاجتماعي والصحة النفسية للأفراد والمجتمعات، المجتمعات التي تُهمِل ثقافتها في أوقات الأزمات تدفع ثمنًا اجتماعيًّا أكبر لاحقًا: زيادة في الاضطرابات النفسية والاجتماعية، وتراجع في قدرة الناس على الابتكار والتكيُّف، فالاستثمار في الثقافة هو استثمار في قدرة المجتمع على النهوض، ومَن يُدرك هذا لن ينظر إليها كرفاهية أبدًا.
* هل المؤسسات الثقافية المستقلة قادرة على تعويض تراجع دور الدولة في رعاية الثقافة؟
- قادرة على سدِّ جزء من الفراغ لكن ليس كله، المؤسسات المستقلة تتميَّز بمرونتها وحريتها في التجريب والابتكار، لكنها تظل محدودة الموارد والانتشار الجغرافي مقارنة بالدولة، الحل الأمثل هو أنْ تكون ثمة شراكة حقيقية، الدولة توفر الانتشار والموارد، والمؤسسات المستقلة توفر الحرية والابتكار. غياب أي من الطرفين يُضعِف المشهد الثقافي برمته.
* كيف أدرتَ معادلة الاستقلالية مقابل التمويل؟
- بسياسة واضحة ومبكرة، أنَّ أي تمويل يشترط التدخل في المحتوى أو التوجه الفكري نرفضه بغض النظر عن قيمته المادية. رفضنا فرصًا مالية جيدة لهذا السبب تحديدًا. وكلما كان هذا القرار صعبًا ماديًّا، كنا ننظر إلى ما بنيناه ونتذكر أننا لو قبلنا تلك الشروط لما كانت «ألوان» ما هي عليه اليوم. الاستقلالية ليست شعارًا نرفعه، هي قرارات يومية لها ثمن حقيقي.
* مؤسسة «ألوان» تتعامل مع كثير من الشباب.. ما أكثر ما أدهشك في تعاملك معهم؟ وما أصعب ما واجهته؟
- ما أدهشني هو سرعة التَحوُّل الإبداعي لدى بعض الشباب؛ أشخاص جاءوا بلا خبرة سابقة، وفي فترة قصيرة أنتجوا أعمالًا حقيقية ومؤثرة، هذا يؤكد أنَّ الموهبة موجودة لكنها تحتاج إلى مساحة وتشجيع. أما الصعوبة فهي التعامل مع الهشاشة النفسية التي تصاحب بعضهم، الحساسية الزائدة والتذبذب العاطفي والحاجة المستمرة إلى التأكيد، هذا يتطلب صبرًا وفهمًا نفسيًّا لا تكفي فيه الكفاءة الإدارية وحدها.
* هل ثمة شاب غيَّر طريقة تفكيرك؟
- نعم، أتذكر شابًا في أحد معسكراتنا كان يرسم بطريقة غير تقليدية تبدو للوهلة الأولى عشوائية. حين سألتُه عن أسلوبه قال: «أنا لا أرسم ما تراه عيني، أرسم ما يشعر به جسدي حين يرى».
هذه الجملة دفعتني إلى إعادة التفكير في طريقة تصميم ورشنا التعليمية، أدركتُ أننا كنا نُركز كثيرًا على التقنية، وننسى أنْ نبدأ من الحِسِّ والتجربة الجسدية المباشرة. غيَّرنا بعد ذلك منهجية عدد من ورشنا بناءً على هذه الفكرة.
* ما الفاعلية الأهم التي تحرص «ألوان» عليها وتعتبرها عنوانًا لتميُّزها؟
- معسكرات ألوان، المشروع الذي يعبِّر عن فكرة «ألوان» بشكل كامل، شباب من كل أطياف المجتمع يجتمعون باشتراك مالي زهيد، يتعلَّمون ويتبادلون الخبرات ويصنعون معًا شيئًا لم يكن بمقدور أيٍّ منهم إنجازه بمفرده. هذه المعسكرات تمت إقامتها في الإسكندرية والفيوم ورأس البر وسيناء، وقد عكست ما أسَّسنا «ألوان» من أجله: جعل الثقافة متاحةً للجميع بغض النظر عن الموقع الجغرافي أو الإمكانات المادية.
* كيف تقيس أثر مؤسسة «ألوان»؟
- نستخدم مؤشرات كمية: عدد المشاركين، عدد الورش، عدد المحافظات التي وصلنا إليها. لكن هذه الأرقام لا تُخبرنا بالأثر الحقيقي، الأثر الحقيقي يظهر في قصص فردية؛ مثل شخص غيَّر مساره المهني بعد مشاركته في «ألوان»، شخص أسَّس مبادرةً في مدينته بعد تجربته مع المؤسسة، كاتب نشر كتابه الأول بعد مروره بورشة الكتابة، هذه القصص هي المقياس الفعلي للأثر، وإنْ كانت أصعب في القياس الكمي.
* هل الثقافة تغيِّر المجتمع أم تعكسه؟
- تفعل الاثنين، الثقافة تعكس الواقع الاجتماعي وفي الوقت ذاته تُسهم في تشكيله على المدى البعيد، التغيير الثقافي أبطأ من التغيير السياسي أو الاقتصادي لكنه أعمق تأثيرًا لأنه يعمل على القيم والتصورات والعلاقات، وهذه هي الأساس الذي يقوم عليه كل تغيير آخر، فالمؤسسات الثقافية تزرع بذورًا لا تُرى ثمارها دائمًا في وقتها، لكنها تنبت في النهاية.
* كيف تميِّز «ألوان» بين ما هو ثقافي حقيقي وما هو مجرد ضجيج رقمي؟
- السوشيال ميديا وسَّعت دائرة المنتجين الثقافيين، وهذا في حدِّ ذاته إيجابي. لكنَّها أنتجت أيضًا ثقافة الاستعراض السريع على حساب العمق. ما نحرص عليه في «ألوان» هو تنمية قدرة المبدع على العمل بعمق وصبر، بعيدًا عن ضغط التفاعل الفوري، المبدع الذي يتعلَّم أنْ يمنح وقتًا كافيًا لعمله قبل إخراجه للناس يصنع عملًا مختلفًا عمَّن يعمل لتحقيق أكبر قدر من الانتشار في أقل وقت ممكن، هذا الفارق هو ما نسعى إلى ترسيخه في ثقافة المؤسسة.
* مَن يرث «ألوان»؟
- «ألوان» لا تنتظر وريثًا واحدًا، «ألوان» تبني وارثيها باستمرار، كل شاب مرَّ بالمؤسسة وعاد إلى محيطه يحمل معه شيئًا من فلسفتها وأدواتها هو وريث حقيقي بغض النظر عن اسم المؤسسة. رأيت مشاركين سابقين أسسوا مبادرات ثقافية وأصبحوا مدربين لحرف وصناعات تعلموها في «ألوان» هذا التضاعف في الأثر هو ما أعمل من أجله، وهو أهم في نظري من استمرار المؤسسة تحت اسمها فقط.
* ما الخطأ الأكبر الذي تراه في المؤسسات الثقافية وتحرص «ألوان» على تجنبه؟
- الجمود بعد النجاح، كثير من المؤسسات حين تحقِّق نجاحًا تتوقَّف عن التجريب وتبدأ في تكرار ما أُثبت نجاحه خوفًا من المجازفة، هذا يحوِّلها تدريجيًّا من مؤسسة حية إلى مؤسسة تستهلك رصيدها القديم. أنا أخشى هذا على «ألوان» أكثر مما أخشى الفشل، لأنَّ الفشل يدفعك إلى التفكير والتطوير، بينما النجاح الجامد يُوهمك بأنَّك لا تحتاج إلى تغيير.
* في لحظات الإرهاق... ما الذي يعيد «ألوان»؟
- استحضار النتائج الملموسة على أرض الواقع: شاب وجد في «ألوان» مساحةً لم يجدها في مكان آخر، شخص اكتشف موهبةً لم يكن يعرف أنَّه يمتلكها، مجموعة من الشباب صنعت معًا شيئًا حقيقيًّا في معسكر ما، هذه النتائج المحددة والحقيقية هي ما يعيد لـ«ألوان» معناها في أوقات الإرهاق.
* ما الذي تتمنى أن تصبح عليه «ألوان» في المستقبل؟
- أتمنى أنْ تكون «ألوان» حاضرةً في كل محافظات مصر بشكل فعلي لا رمزي، وأن تكون قد أسهمت في تغيير تصور المجتمع عن الثقافة من كونها نشاطًا اختياريًّا إلى كونها حاجة أساسية، وما أتمناه بشكل شخصي هو أنْ تظلَّ المؤسسة وفيةً لمبدئها الأصلي، أن تمنح كل ما هو إيجابي وأن تبتعد عن كل ما هو سلبي. هذا المبدأ البسيط هو ما بدأت به وما أريد أنْ تنتهي إليه كل قرار تتخذه «ألوان».
* لو كنت ترسل رسالة إلى نفسك يوم أسست «ألوان».. ماذا تقول؟
- لا تستعجل النتائج، المؤسسة الثقافية لا تقاس بنجاحات السنة الأولى أو الثالثة، بل تقاس بما تصنعه في الناس على مدى سنوات، فقط ابق قريبًا من سبب البداية، لأنَّ المؤسسات تميل مع الوقت إلى أنْ تشغلها الإدارة عن الهدف، والبساطة التي بدأت بها ليست نقصًا يجب أنْ تتجاوزه، هي قوة يجب أنْ تحتفظ بها.
* كلمة أخيرة لكل مَن يفكر في العمل الثقافي؟
- ابدأ بما لديك ولا تنتظر الظروف المثالية لأنَّها لن تأتي، العمل الثقافي الحقيقي لا يحتاج في البداية إلى موارد ضخمة بقدر ما يحتاج إلى وضوح في الهدف، وصدق في التعامل مع الناس. وكن مستعدًّا للاستمرار على المدى البعيد لأنَّ الأثر الثقافي لا يظهر بسرعة، أما إن سألتني إنَ كان يستحق، فالإجابة نعم، وأنا لا أقول هذا من باب الحماس بل من باب ما رأيته على أرض الواقع على مدار سنوات عديدة ممتدة.