هوامش
ايهاب نبيلالزواج والطلاق في مصر: حقوق.. أم معارك؟
2026.06.06
الزواج والطلاق في مصر: حقوق.. أم معارك؟
داخل إحدى قاعات محاكم الأسرة، تتزاحم مئات السيدات بصحبة محاميهن؛ يرفعن قضايا تتنوَّع ما بين طلاق وخلع، ونفقة زوجية وأخرى للأطفال، فضلًا عن مصاريف المدارس ونفقة المتعة، والتمكين من مسكن الزوجية.
وعلى بُعد خطوات من المحكمة، تتعالى صرخات بالقرب من قسم الشرطة إثر مشاجرة بين زوج وزوجته وذويها بسبب «قائمة منقولات» وقَّع عليها الزوج كإيصال أمانة. وفي عمارة مجاورة، يتجمَّع الجيران إثر صراخ من شقة قريبة؛ حيث يعتدي زوج على زوجته ويطردها في منتصف الليل، لكنه يرفض تطليقها خشية التمكين ومطالبات القائمة.
وفي مشهد آخر، زوجة في الثلاثينات من عمرها حصلت على حكم بالطلاق وباتت تحرم الأب من رؤية أطفاله. في المقابل، يرفع زوج دعوى رؤية ليتمكَّن من قضاء ثلاث ساعات أسبوعيًّا مع أولاده، فلا يجد أمامه سوى حجج متجددة بمرض الأبناء، أو حضورًا مشروطًا يُمنع فيه من تقبيل ولده أو الانفراد به.
هذه المشاهد ليست سوى صفحات من دفتر حكايات الأسرة المصرية الذي لا تنتهي أزماته؛ حيث يختلط الحق بالباطل، والعُرف بالشرع، والشرع بالقانون، والنتيجة الحتمية هي تفسخ اجتماعي متصاعد، يلوح بوضوح في خضم النقاشات الدائرة حول قانون الأحوال الشخصية المرتقب.
حين يصبح الزواج صفقة
حين يتقدَّم شاب لخطبة فتاة - سواء إثر علاقة سابقة أو عبر جلسات التعارف التقليدية - يجد أمامه قائمة مطالب تفوق في الغالب قدراته المالية، بدءًا من فرش الشقة، مرورًا بقيمة الشبكة الذهبية، وصولًا إلى مؤخر الصداق.
في المقابل، تقع على كاهل والد العروس أعباء تجهيز المطبخ وشراء السجاد والنجف والأجهزة الكهربائية، فيتوصَّل الطرفان غالبًا إلى اتفاق ضمني باقتسام تكاليف محتويات الشقة بينهما.
وتأتي اللحظة الأكثر توترًا حين تُحرَّر قائمة المنقولات بأسعار السوق الراهنة وليس بقيمة الشراء الفعلية، مع إصرار والد العروس على تسجيل الذهب بسعر اليوم. ليتحوَّل الأمر برمته إلى طاولة مفاوضات يسعى كل طرف فيها إلى تعظيم مكاسبه المادية الضامنة.
يُقرُّ الشرع الإسلامي بأن يُقدِّم الزوج مهرًا نقديًّا للعروس، على أنْ يتكفَّل هو وحده بتأثيث منزل الزوجية وتجهيزه وفق إمكاناته المادية، غير أنَّ التضخم الحاد وانخفاض القوة الشرائية للجنيه جعلا هذا الخيار بعيد المنال بالنسبة لغالبية الشباب. في الوقت ذاته، وأمام تصاعد العنف الزوجي وخطابات التحريض، باتت المرأة تسعى إلى الحصول على ضمانات مادية مسبقة؛ درءًا لسيناريوهات الطلاق، والمساومة، والتهديد بحرمانها من الأطفال، أو إجبارها على مغادرة مسكن الزوجية.
إحصاءات لا تتجمَّل
في نوفمبر من عام 2025، أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تقريره التحليلي لإحصاءات الزواج والطلاق لعام 2024، وجاءت الأرقام لتدق ناقوس الخطر:
· بلغ إجمالي عقود الزواج 936739 عقدًا، بانخفاض قدره 2.5% عن عام 2023.
· سجَّل إجمالي حالات الطلاق 273892 حالة، بارتفاع نسبته 3.1% عن عام 2023.
· جاء الطلاق بواسطة مأذون (إشهاد) في الصدارة بـ259697 حالة.
· بلغت أحكام الطلاق القضائية النهائية 14195 حكمًا.
· شكلت حالات الخلع 11906 حالات، أي ما يعادل 83.8% من إجمالي الطلاق القضائي.
هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات ديموغرافية عابرة، بل هي انعكاس مباشر لأزمة مجتمعية بنيوية. فنسبة الخلع البالغة 83.8% تعني أنَّ أكثر من 4 من بين كل 5 نساء لجأن إلى القضاء كنَّ على استعداد تام للتنازل عن كافة حقوقهن المالية - المؤخر والنفقات معًا - مقابل الحصول على حريتهن. كما تشير تقارير وزارة العدل لعام 2026 إلى أنَّ محاكم الأسرة استقبلت ما يقارب 1.5 مليون دعوى نفقة، فضلًا عن قضايا التمكين من مسكن الزوجية.
وتبلغ هذه الصراعات ذروتها العبثية حين يُقدم بعض الأزواج على تخريب الشقة المشتركة - عبر تكسير الحوائط، وخلع الأسلاك، ودهان الأسقف باللون الأسود - لإرغام المطلقة على إنفاق آلاف الجنيهات في عمليات الترميم. وهو انتقام أعمى يضرب الأطفال قبل أمهم، إذ إنَّهم مَن سيعيشون في النهاية داخل تلك الشقة المُدمَّرة.
القانون المدني.. الغائب الأكبر
يجري الحديث حاليًا عن حوار مجتمعي موسَّع حول تعديل قانون الأحوال الشخصية، لكن الواقع يشير إلى أنَّ النقاش لا يزال حبيسًا داخل أروقة مجلس النواب. إنَّ غياب المتخصصين من علماء الطب النفسي الأسري، وعلماء الاجتماع، وأساتذة القانون، إلى جانب ممثلي المجلس القومي للأمومة والطفولة والمجلس القومي للمرأة عن طاولة التشريع، من شأنه أنْ يُضعف مشروعية وملاءمة أي قانون يصدر في هذا الشأن.
ومن أكثر المقولات المتداولة إثارةً للقلق في هذا الملف، تلك التي تصف هدف الدولة بأنه «تقليل نسب الطلاق حفاظًا على كيان الأسرة». غير أنَّ التوجُّه نحو تقييد الطلاق دون معالجة أسبابه الجذرية لن يُنتج إلا مزيدًا من العنف الأسري والجرائم، فضلًا عن تشريد الأطفال وضياع مستقبلهم جراء صراعات محتدمة تحت سقف واحد. فالأصل في قانون الأحوال الشخصية أنْ يمنع الضرر أولًا، لا أنْ يُثبّت علاقات متهالكة بقوة الجبر.
وهنا يُطرح تساؤل مشروع: ما المانع من أنْ يكون الزواج والطلاق مبنيين على عقد يتضمَّن بنودًا واضحةً تحفظ حقوق الطرفين على قدم المساواة؟ عقد يضمن للزوج ألا يُزَجُّ به في السجن بسبب «قائمة منقولات»، وأنْ يرى أبناءه بصورة منتظمة دون شروط مُذلّة.
وفي المقابل، يكفل للزوجة نفقةً شهريةً ومسكنًا ملائمًا دون الحاجة إلى اللجوء للخلع أو خوض معارك قضائية مضنية. كما يجب أنْ يُترَك تحديد سنِّ الحضانة وحق الرؤية لتقدير المتخصصين في الطب النفسي للطفل، على ألا تقل سنُّ تخيير الطفل عن 16 عامًا - وهي السن القانونية لاستخراج بطاقة الهوية كدليل على اكتمال الإرادة.
الفجوة بين الريف والمدينة
تكشف المؤشرات الجغرافية لعام 2026 أنَّ نسب الطلاق في المدن الكبرى - كالقاهرة وبورسعيد - أعلى منها في الريف بفارق ملحوظ. لكن هذا الانخفاض في الريف لا يعكس بالضرورة استقرارًا أسريًّا أعمق؛ فهو غالبًا ما ينتج عن ضغوط اجتماعية تجعل من الطلاق «وصمة عار» تلاحق الأسرة بأسرها. كما أنَّ البُعد الاقتصادي حاضر بقوة؛ ففي المجتمعات الريفية وزيجات الأقارب، يرتبط الزواج بحصص في الثروة العقارية والأراضي الزراعية، ليصبح الطلاق بمثابة خسارة مادية فادحة يصعب تحملها بمعزل عن حسابات الشرف والعرف القبلي.
النسوية والطبقية: حين يُختطف النقاش
في الآونة الأخيرة، دخل بعض ناشطي المجتمع المدني على خط النقاش بمطالب قد تبدو مشروعة نظريًّا - كحق المطلقة في نفقة خادمة أو الحصول على نصيب من ثروة الزوج تقديرًا لمشاركتها في بناء الحياة المشتركة. غير أنَّ هذه المطالب تعكس واقع فئة اجتماعية ضيقة، ولا تمثل بأي حال الغالبية العظمى من السيدات اللاتي يتقاطرن على قاعات محاكم الأسرة.
فإحصاءات محاكم الأسرة تؤكد أنَّ أغلب المتقاضيات ينتمين إلى الطبقة العاملة والوسطى الدنيا؛ فهن نساء يُعِلن أطفالهن من دخل عمل بسيط في مصنع أو متجر أو مطعم، ولسن زوجات يتفاوضن على حصص من ثروات طائلة. وحين يُدار النقاش المجتمعي بمعزل عن هذا الواقع، تنزلق القضية من ملف حقوقي وتشريعي إلى حرب جنسين تنتهي بتعميم الاتهامات وإلغاء الفروق، وهو ما يُبعد القانون تمامًا عن صلب مهمته الأساسية.
الخلاصة
إنَّ أزمة قانون الأحوال الشخصية في مصر ليست مجرد أزمة نصٍّ قانونيٍّ، بقدر ما هي أزمة رؤية شاملة: هل نريد قانونًا يصون الشكل الاجتماعي ويُثبّت العلاقات مهما كان الثمن المدفوع، أم نسعى لقانون يصون إنسانية الأفراد ويُخفف من حجم الضرر الواقع عليهم؟
الأرقام واضحة لا تقبل التأويل، والمشاهد اليومية في أروقة المحاكم أوضح من أنْ تُنكَر.
الإجابة هنا لا تتطلب خطابات رنانة أو حروبًا طبقية، بل تحتاج إلى مُشرِّعين يمتلكون الإرادة لسماع الجميع بإنصاف: الزوج الذي يُمنع من رؤية أطفاله، والزوجة التي تضطر للتنازل عن حقوقها كي تتنفس الحرية، والطفل البريء الذي كُتب عليه العيش في شقة خرَّبها والده انتقامًا من أمه.