عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

قضايا

شريف إمام

الحلقة الثانية: حين سحبت البرجوازية السّلم خلفها من المنافسة إلى الاحتكار والهيمنة الناعمة

2026.11.07

الحلقة الثانية: حين سحبت البرجوازية السّلم خلفها

من المنافسة إلى الاحتكار والهيمنة الناعمة

 

تخشى الطبقات الصاعدة الأسوار، لكنها قد تغيِّر رأيها بعد أنْ تحصل على مفاتيحها. فالبرجوازية التي حاربت الامتياز الإقطاعي لم تحتفظ طويلًا بحماستها الأولى للمنافسة المفتوحة والعقل النقدي. وما إن استقرَّت في مواقع القوة حتى بدأت تنظر بقلق إلى السُّلَّم الذي صعدت عليه، وإلى احتمال أن تستخدمه طبقات أخرى للمطالبة بالمساواة الاجتماعية، لا بالمساواة القانونية وحدها.

لم يحدث التَّحوُّل في ليلة واحدة، ولم يجتمع أصحاب الأموال ليعلنوا نهاية العصر الثوري. خرج الاحتكار من صميم المنافسة نفسها. فالمؤسسة الأكثر نجاحًا توسَّعت، وابتلعت منافسين أو دفعتهم خارج السوق، وسيطرت على موارد وائتمان وأسواق أكبر. وهكذا أمكن للمنافسة، التي قُدِّمت بوصفها علاجًا للاحتكار، أنْ تصبح طريقًا إليه. وقد رأى جوزيف شومبيتر أنَّ الرأسمالية لا تتحرَّك في سوق ساكنة، بل عبر عملية «تدمير خلاق» تنشئ صناعات جديدة وتهدم القديمة، لكنها تمنح المؤسسات الكبرى قدرةً متزايدةً على تحديد اتجاه الابتكار.[1]

التقط ثورستين فبلن جانبًا أكثر حدة من المسألة حين ميَّز بين منطق الصناعة ومنطق الأعمال. الصناعة تريد استمرار الإنتاج وكفاءته؛ أما الأعمال فتريد تعظيم العائد. وقد يكون ما يفيد الإنتاج ضارًّا بالأرباح: زيادة المعروض تخفِّض السعر، واستمرار المصانع في العمل قد يضعف قدرة الشركات على التَّحكُّم في السوق. لذلك يمكن لصاحب العمل أنْ يربح من تعطيل الإنتاج أو الحدِّ منه، ما دام النقص يرفع الأسعار. صار النجاح ممكنًا من دون صنع شيء، بشرط امتلاك القدرة على تقرير متى يتوقف الآخرون عن الصنع.[2]

انتقل مركز الثقل من صاحب الورشة الذي يعرف السلعة والعمال إلى الشركة المساهمة والمصرف ومجلس الإدارة ومالك الأسهم الغائب. لم يعد المالك مطالبًا بمعرفة كيف تعمل الآلة؛ يكفي أنْ يعرف تقرير الأرباح. وظهر كائن اقتصادي جديد: مالك لا يعرف ما يُنتَج، وعامل ينتِج ما لا يملك، ومدير يعرف الاثنين لكنه مكلّف بألا يخلط بينهما.

داخل الشركة الكبيرة لم تعد السلطة الاقتصادية ملكًا مباشرًا لفرد واحد. انتقلت إلى جهاز واسع من المديرين والمهندسين والمخططين والمحامين وخبراء التسويق. أطلق جون كينيث جالبريث على هذه الجماعة اسم «البنية التقنية». فالتكنولوجيا المعقَّدة والاستثمارات الضخمة والتخطيط الطويل جعلت المؤسسة أقل اعتمادًا على رجل الأعمال الفرد وأكثر اعتمادًا على معرفة منظمة تحتكرها الإدارة.[3]

اختفى بطل الرأسمالية القديم تدريجيًّا داخل ممرات المؤسسة التي أنشأها. كان رائد الأعمال، في الرواية الكلاسيكية، يخاطر بماله ويبتكر سلعةً ويواجه السوق. أما المؤسسة الحديثة فوزَّعت المخاطرة على المساهمين، والقرار على اللجان، وأبقت المكافآت مركَّزة بصورة مثيرة للإعجاب الإداري. وحين تأتي الخسارة، يصبح من الممكن التفاوض مع الدولة؛ أما الأرباح فتميل إلى الاحتفاظ بخصوصيتها.

لم تعد الشركة الكبرى تستجيب للسوق وحده، بل أخذت تخطِّط له. يحتاج الإنتاج الضخم إلى طلب يمكن توقعه، وأسعار مستقرة، ومواد خام مضمونة. ومن هنا لم يعد الإعلان مجرد إخبار المستهلك بما هو موجود، بل أداة لصنع الرغبة نفسها. رأى جالبريث أنَّ المؤسسة الحديثة تدير الطلب وتخلق الحاجة. لم يعد المستهلك ملك السوق الذي تصطف الشركات لخدمته، بل صار شخصًا تتولى إدارات التسويق إخباره بما ينقص حياته، وغالبًا ما يتضح أنَّ ما ينقصه منتج جديد من الشركة ذاتها.[4]

تبدَّلت صورة الإنسان أيضًا. صار العامل «موردًا بشريًّا»، وهو تعبير بالغ البرودة يضع الإنسان إلى جوار الطاقة والحديد والمواد الخام، مع فارق أنَّ الحديد لا يُطلب منه حضور دورة في الولاء المؤسسي قبل استنزافه. وصف ماكس فيبر تمدُّد الحساب والانضباط والتنظيم بوصفه بناءً يفرض منطقه على الفرد، حتى لو اختفت الحماسة الأخلاقية التي صاحبت الرأسمالية الأولى. لم يعد النظام يحتاج إلى مؤمنين به؛ يكفي أنْ يصل الجميع في الموعد ويتركوا أسئلتهم الوجودية عند مكتب الاستقبال.[5]

واتسع سلطان المال من تبادل السلع إلى تقويم البشر والقيم. لاحظ جورج زيمل أنَّ الاقتصاد النقدي حرَّر الفرد من روابط شخصية قديمة، لكنه جعل العلاقات أكثر تجريدًا. وحين يصبح المال مقياسًا عامًّا، يمكن أنْ يقاس نجاح التعليم بالدخل، ونجاح الفن بسعر اللوحة، ونجاح الإنسان برقم يقبله المصرف. المال لا يقول إنَّه يعرف قيمة كل شيء؛ يطلب فقط وضع السعر أولًا، ثم يعد بالنظر في المسألة.[6]

امتدت السوق إلى وقت الفراغ والثقافة. رأى ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو أنَّ السينما والإذاعة والمجلات أصبحت أجزاء من «صناعة الثقافة»، تنتج أنماطًا متشابهة من الترفيه والنجاح والسعادة. لا يمنع هذا النظام المواطن من الاختيار؛ يقدِّم له عشرات الاختيارات المتقاربة، ثم يهنئه على ممارسة حريته كاملة. ويعود العامل من عمله ليتلقَّى، بوصفه مستهلكًا، الجرعة اللازمة من الترفيه التي تعيده في الصباح أكثر استعدادًا للعمل.[7]

طوَّر هربرت ماركوزه الفكرة في حديثه عن «المجتمع ذي البعد الواحد». فالسيطرة الحديثة لا تعتمد على القمع وحده، بل على إنتاج حاجات ورغبات تجعل الأفراد يجدون أنفسهم داخل السلع التي يستهلكونها. لا يحتاج الاستبداد الناعم إلى شرطي خلف كل مواطن. يكفي أنْ تتحوَّل حاجات النظام إلى رغبات شخصية، وأنْ يبدو الامتثال اختيارًا حرًّا. وقد يُمنَح المواطن ميكروفونًا، شريطة أنْ يختار موضوع حديثه من القائمة المتاحة.[8]

أما رايت ميلز فرأى أنَّ السلطة في المجتمع الصناعي تركزت داخل دوائر مترابطة من مديري الشركات والقيادات السياسية والعسكرية. لم يكن المقصود غرفة سرية يجتمع فيها الجميع لإصدار الأوامر، بل مواقع مؤسسية تمنح شاغليها قدرةً أكبر كثيرًا من قدرة المواطنين العاديِّين. تبقى الانتخابات والبرلمانات، لكن القرارات الكبرى تبتعد عن الرقابة العامة، ويتحوَّل الجمهور من صاحب رأي إلى متلقٍّ للرأي.[9]

لهذا لا ينبغي اختزال المسألة في حكاية عن رجال أعمال طيبين صاروا أشرارًا. فالمؤسسات الكبرى أتاحت إنتاجًا واسعًا وأبحاثًا وتقنيات لم تكن المشروعات الصغيرة قادرة عليها. السؤال ليس هل أنتجت الرأسمالية أشياء مفيدة، بل مَن يحدِّد اتجاه الإنتاج، ومَن يتحمَّل مخاطره، ومَن يملك ثماره، ومَن يدفع ثمن التَّحوُّلات التي يفرضها.

بلغت المفارقة ذروتها حين أصبحت المنافسة خطرًا يريد المنتصرون تقليله. يحب الرأسمالي السوق الحرة بشرط أنْ يكون الطلب مضمونًا، والمنافس بعيدًا، والدولة قريبة عند الحاجة. يحب الدولة الصغيرة حين يتعلق الأمر بالضرائب وحقوق العمال، ثم يكتشف فضائل الدولة الكبيرة عند الخسارة. وهكذا بقيت البرجوازية قادرةً على تطوير المنتجات، لكنها لم تعد بالضرورة قادرةً على تطوير المجتمع بالسرعة نفسها.

انتهت البرجوازية من دور الفاتح الذي يهدم أسوار العالم القديم، وبدأت تؤدي دور حارس البوابة. لم تعد بحاجة إلى منع التفكير ما دامت تستطيع توفير الأفكار الجاهزة، ولا إلى حظر الاعتراض ما دامت قادرةً على بيع قميص يحمل شعاره.

وفي الحلقة التالية سنرى الصورة التي وصلت بها هذه البرجوازية إلى مصر: لم تصل في شبابها الثوري، بل جاءت وقد ارتدت الزي العسكري.



[1]Joseph A. Schumpeter, Capitalism, Socialism and Democracy, 5th ed. (London: George Allen & Unwin, 1976), 81-106, 131-142.

[2]Thorstein Veblen, The Theory of Business Enterprise (New York: Charles Scribner’s Sons, 1904), 20-39, 66-91.

[3]John Kenneth Galbraith, The New Industrial State (Boston: Houghton Mifflin, 1967), 56-86.

[4]Galbraith, The New Industrial State, 200-218.

[5]Max Weber, The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism, trans. Talcott Parsons (New York: Charles Scribner’s Sons, 1930), 181-183.

[6]Georg Simmel, The Philosophy of Money, 3rd enlarged ed. (London: Routledge, 2004), 219-302, 384-464.

[7]Max Horkheimer and Theodor W. Adorno, Dialectic of Enlightenment (Stanford, CA: Stanford University Press, 2002), 94-120.

[8]Herbert Marcuse, One-Dimensional Man (Boston: Beacon Press, 1964), 1-34.

[9]C. Wright Mills, The Power Elite (New York: Oxford University Press, 1956), 269-324.