مراجعات
شيماء ياسرصرخة النورس.. الشمس التي تشرق من القلب
2026.11.07
صرخة النورس.. الشمس التي تشرق من القلب
مصطلح الأقليات من المصطلحات التي طالما لفتت نظري طوال سنوات عمري بشكل لم أفهمه. يستوقفني كثيرًا في كل مرة أسمعه فيها وأشعر بالخجل. من أي شي؟ لا أعلم يقينا لكنه يثير داخلي دومًا إحساسًا غير مريح.
هل الأقليات هم بداية ظهور منطق الجيتو؟ حيث مساحة رفض التحجيم والتهميش؟ رغم ما مثله الهامش عند الكاتبة الأمريكية، بل هوكس، من قوة ونقطة مقاومة لا يستهان بها عند مَن يعلم قدرها.
تتكاثر المعاني والمصطلحات التي تتوارد على سمعي، لأعرف أنَّ الأقليات ليست فقط ما تخصُّ الأديان، بل هناك ما يخصُّ العِرق، وهناك ما يخصُّ المساحات الجغرافية التي قُدِّر لأصحابها أنْ يجدوا أنفسهم على هوامش المدن والعواصم.
الأقليات، هؤلاء الذين جمعتهم مساحة مشتركة مميزة عن السواد الأعظم في مجتمعات «حضارية»!
«صرخة النورس» كتاب أتاح لي الدخول إلى عقل وقلب وسنوات عمر إيمانويل لابوري، إحدى أفراد واحدة من الأقليات الإنسانية التي لا يكاد يخلو منها مجتمع، رغم ذلك هم على الهامش. هو نفس الهامش في شاشة التلفاز الذي ينزوي فيه أحدهم أو إحداهن ممَّن لا نعرف اسمه/ا، ولا يهتم أحدنا بذلك. ببساطة لأن «أحدنا» هذا يسمع صوت المتحدث فلا حاجة له بحديث الأصابع وإشاراتها الخرساء بالنسبة له. لكن لهذه الإشارات على الجانب الآخر صوت وإنْ كان غير مسموع. صوت لا تلتقطه الآذان، بل يسقط مباشرة في الوعي وإدراك الصم، الأقلية الإنسانية التي تنفصل عمَّا هو معروف من صخب حياتنا.
بترجمة دينا مندور وفي ٢٠١٣ صدر عن «المشروع القومي للترجمة» كتاب «صرخة النورس» لصاحبته إيمانويل لابوري مُترجَمًا عن الفرنسية. في كتابها الأول في ١٩٩٤، سجَّلت لابوري سيرة ذاتية مميَّزة في شكل روائي بسيط وثري لحياة أسرة فرنسية تواجه مفاجأة اختلاف طفلها الأول، إيمانويل، التي وُلدت في ١٩٧١.
إيمانويل تلك الصغيرة التي تستجيب لذبذبة الصوت وليس للصوت. حيث الارتجاجات الطفيفة في الأرض تلتقطها إيمانويل فتلتفت لمصدرها. وما دون ذلك هو خارج نطاق استقبالها.
هو قدر لطيف أنْ يكون الأب طبيبًا نفسيًّا والأم معلمة أطفال ممَّن يعانون صعوبات نفسية، أسرة تهتم بالقراءة والموسيقى. ومن داخل هذا الوعي المتفهم خرجت إيمانويل لابوري لتكتب وتسجِّل تجربةً ثريةً، وتلفت الأنظار لعالم الصم من العمق.
لا ننظر هنا لصخب التصريحات البراقة عن الرعاية الصحية المُقدَّمة لهم، ولا لتعداد ما وصل إليه الصم. وإنما من داخل عقل وقلب طفلة مختلفة في أسرة لا يعاني أي من أفرادها في أي جيل من ذلك الاختلاف، ولا أقول الإعاقة، لتتحقَّق نبوءة الجدة لحفيدتها، «لقد اختارك الرب واختار أنْ تكوني صماء مما يعني أنه يتمنَّى أنْ تحملي شيئًا ما للآخرين للذين يسمعون، لتحملي شيئًا للعالم».
وهو القدر اللطيف نفسه الذي يسمع فيه الأب حديثًا في الراديو عن لغة «الإشارات»، تلك اللغة التي تفتح عالم التواصل للصم وتحقِّق حضورهم في الحياة. حديث الأصابع كان طوق النجاة لذلك الأب الذي لم ينجح حتى تلك اللحظة في التواصل مع طفلته الأولى، بخلاف الأم وما استحدثته من لغة بدائية للتواصل معها.
وكان «الحلم الأمريكي» مختلفًا لأسرة إيمانويل، حيث الرحلة إلى واشنطن ولقاء أمل التواصل عبر تعلم لغة الإشارة بشكل حقيقي وفعال. لتواجه الأسرة خوفًا يتجدَّد مع اقتراب وصول الطفل الثاني، وتأتي ماري سليمةً تمامًا، لتكون اليد الأخرى لإيمانويل في الحياة.
ومن الطفلة، نكبر معها، إيمانويل الشابة التي تدخل مرحلة المراهقة بعنفوان وصخب طبيعتها وسط زملاء وأصحاب مجتمع الصم. هي المراهقة الإنسانية نفسها التي يعانيها كل البشر بكل اللغات والتوجهات والخلفيات الثقافية والدينية والاجتماعية. الفارق هنا هو اختلافك في مجتمع يراك على الهامش لأنك لا تملك لغة التواصل والتعبير نفسها. بل هو لا يراك أصلًا، أنت بالنسبة له مجرد دمية. لكن الدمية بنت الخامسة عشرة التي تتعرَّض للتَّحرُّش في المصعد وفي التاكسي، ماذا ستفعل؟
وتمرُّ مراهقة إيمانويل، وتتجاوز قصة حبٍّ عمرها ثلاث سنوات بقوة لتقرِّر، وقد اقتربت من العشرين، أنْ تنجح في البكالوريا أو الثانوية بعد عدة محاولات نجحت في صقل قوتها بداية من 1991.
وهو العام نفسه الذي صدر فيه في فرنسا ما يُعرف بـ«مرسوم يناير 1991»، حيث القانون الرسمي الذي مثّل نقطة تحول لإنهاء التهميش والحظر الفعلي الذي فُرض على استخدام لغة الإشارة الفرنسية (LSF) في تعليم الصم منذ مؤتمر ميلان عام ١٨٨٠.
وهو العام نفسه أيضًا الذي جسَّد فيه نور الشريف دوره المميز «عمر» في فيلم «الصرخة» من تأليف كرم النجار وإخراج محمد النجار، حيث العمل السينمائي الذي جسَّد صورةً قريبةً وحيةً وغنيةً بكثير من التفاصيل الدقيقة لمجتمع الصم والبكم في مصر، ليؤكد دور الفن والفنان في مواكبة أحداث العالم بما يثري مجتمعه، ويسلط الضوء على مشاكلنا الخاصة ببصمتها المتفردة.
هي البصمة نفسها التي اعتمدتها إيمانويل في التعبير بها عن فرادة وتميُّز مجتمع الصم، «نحن مَن نعاني مِن الصمم العميق منذ الميلاد نمثل أقلية. لنا ثقافتنا الخاصة. وهؤلاء الذين يريدون أنْ يحولونا إلى أشخاص يسمعون مثلنا مثل الآخرين بأي ثمن من أطباء وباحثين يثيرون غضبي. فذلك يعني إلغاء هويتنا. لماذا لا يُقبَل نقص الآخرين؟!».
معارك إيمانويل من يومها الأول في الحياة مختلفة، للتواصل مع أقرب الناس، والديها، ثم العالم كله بروح ثورية تدافع عن لغتها، لغة الإشارة في مجتمع يرفضها ويطالب أصحابها بالكلام! مجتمع أفرج عن تجريمه للغة الإشارة في ١٩٧٦ حيث الصحوة الكبرى للصم في فرنسا، بعدما كانت « تعتبر حركات بذيئة ومثيرة وحسية وتوقظ الجسد!».
معركة التواصل، والخصوصية التي تميِّز الكائن البشري، معركة أخرى واجهتها إيمانويل. الاستقلال النفسي والمساحة الخاصة الشخصية التي يحتاجها كل منا ليشعر بأنه فرد وأنه إنسان، له صوت خاص متفرد مميَّز، ليس صدى ولا تابعًا ولا عالة.
إيمانويل، «الشمس التي تشرق من القلب»، نورس عنيد متمرد ثوري مبدع، صيحاته وهمهماته صوتها حقيقي أصيل ومتفرد، أوضح وأعلى من أصوات عديدة فارغة. وهو ما أكده حضورها بفوزها بجائزة موليير في المسرح في عام 1993 عن دورها في مسرحية «أبناء الصمت»، كأول ممثلة صماء تحصل على هذه الجائزة.
عندما تقرأ «صرخة النورس»، تقرأه، إيمانويل، بكثير من الشفافية والصدق اللذين كتبت بهما سطور هذا الكتاب وترجمته دينا مندور بقدر عالٍ من الاستيعاب لروح ومضمون صاحبته. لذلك اعتبر كتاب «صرخة النورس» هديةً ثمينةً لكل صوت في العالم.
«إنني أرى كما لو كنت أستطيع أنْ أسمع. فعيناي هما أذناي. وأكتب كما أستطيع الإشارة. فيداي مزدوجتا اللغة. وها أنا أقدِّم لكم اختلافي. إنَّ قلبي ليس أصمّ أمام أي شيء في هذا العالم المزدوج».