عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

نجلاء عبد الجواد

حين يصبح الفساد هوية جماعية في سيكولوجيا المجتمعات المأزومة وديناميكيات الاستبداد

2026.06.13

حين يصبح الفساد هوية جماعية

في سيكولوجيا المجتمعات المأزومة وديناميكيات الاستبداد

 

ثمة قانون صارم يحكم المجتمعات التي تعيش في ظلِّ الفساد الممنهج، قانون لا يحتاج إلى نصٍّ مُدوَّنٍّ ولا إلى لوائح رسمية، بل يشتغل في صمت تحت سطح العلاقات الاجتماعية، ويتسرَّب إلى بنية الضمير الجمعي حتى يعيد تشكيله من الداخل.

هذا القانون يقول في جوهره: إنَّ الإنسان النزيه في مجتمع فاسد ليس مجرد استثناء بريء، بل هو تهديد وجودي لمنظومة بأسرها؛ لأنَّ وجوده يستدعي مقارنة لا يطيقها من آثروا الاستسلام وأخرجوا الضمير من حساباتهم، فحين يقف إنسان شريف في وجه التيار الجارف لا يفعل شيئًا سوى أنَّه يوقظ الذنب المدفون في الجموع، ذلك الذنب الذي أمضت المجموعة الفاسدة سنوات تطمره تحت ركام من المبررات والأكاذيب المريحة، فتنقض عليه من كل حدب وصوب ليس لأنَّه أخطأ، بل لأنَّه أصاب وكشف خطأها.

هذه المعادلة المقلوبة لا تنشأ في فراغ، إنِّها ثمرة مركبة لعوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية تتضافر على مدى أجيال، وتجد في الحكم الديكتاتوري تربةً خصبةً تطعمها وتسقيها، فتنمو وتتجذر حتى تصبح جزءًا من الهوية التي يعرف بها الناس أنفسهم، ولفهم هذه الظاهرة في عمقها لا بد من الغوص في طبقات متراكمة من الإفساد المتعمد والمنهجي الذي يطال الاقتصاد والتعليم والدين والعلاقات الإنسانية في آنٍ واحد.

يبدأ الديكتاتور عادةً بالاقتصاد، لا لأنَّه الأسهل، بل لأنَّه الأكثر إيلامًا والأقدر على الإذلال، حين تُحرَم الجماهير من لقمة العيش الكريم وحين تتحوَّل مسألة الحصول على وظيفة أو رخصة تجارية أو حتى شقة سكنية إلى مفاوضة مع حارس بوابة يستطيع أنْ يعطيك أو يمنع عنك بحسب رغبته أو ما تقدِّمه من ولاء وخدمات، حينئذٍ يبدأ الإنسان رحلته الطويلة نحو الانكسار الأخلاقي، فالفقر لا يذل الجسد فحسب، بل يذل الإرادة أيضًا، ويجعل التسوية مع الفساد تبدو كأنَّها ضرورة وليست خيارًا، وكأنَّها مهارة تكيف لا تخل عن المبادئ، وهكذا تتسع دائرة المتورطين شيئًا فشيئًا، حتى يجد الشخص النزيه نفسه محاطًا بعالم اعتنق الفساد كمنهج حياة وكاد يرقيه إلى مرتبة الفضيلة.

والأخطر من ذلك أنَّ الاقتصاد الريعي الذي تعتمده الأنظمة الاستبدادية، ذلك الاقتصاد الذي لا يقوم على الإنتاج والإبداع والمنافسة، بل على توزيع الغنائم من فوق إلى أسفل وفق معايير الولاء والانتماء والخضوع، هذا الاقتصاد ينتج بنيةً اجتماعيةً طبقيةً مشوهةً؛ حيث تتضخم ثروات المقربين من السلطة بلا وجه حق وبلا رقيب، في حين تتضاءل فرص مَن يعتمدون على عمل الفكر والإبداع الحقيقي، وهكذا يرى الناس بأعينهم كيف انحرف مفهوم «الشطارة» عن معناه الأصيل ليعني حُسن التعامل مع منظومة الفساد التي توصل صاحبها إلى مراتب لا توصله إليها شهادة جامعية ولا كفاءة مهنية ولا سنوات من العمل الدؤوب، هنا يتشكَّل ما يمكن تسميته «الاقتصاد المعرفي المقلوب»: الناس يتعلمون كيف تشتغل الأمور الحقيقية، لا كيف يفترض أنْ تشتغل، ويُعلِّمون أبناءهم ما تعلموه من دروس الواقع المرير، لا ما هو مكتوب في الكتب.

هذا التشوه الاقتصادي ينعكس حتمًا على البنية الاجتماعية بكل مفاصلها، تتفكك الثقة بوصفها رابطًا اجتماعيًّا أساسيًّا، إذ لا يوجد قانون يسري بالتساوي على الجميع، وتصبح المحاباة قاعدة لا استثناء، لذا يتعلَّم الإنسان ألا يثق بأحد خارج دائرته الضيقة من العائلة أو القبيلة أو الطائفة، وهنا يكمن مأزق عميق آخر لأنَّ تلك الدوائر الضيقة هي بدورها مُخترَقة بالفساد ومشاركة فيه، فيتحوَّل الإنسان إلى جزيرة محاطة بمحيط من عدم الثقة من جهة، وبشبكة من العلاقات المشبوهة التي لا مناص منها من جهة أخرى، الرابط الاجتماعي في مثل هذه المجتمعات لا يقوم على القيم المشتركة بل على المصالح المشتركة، وهو رباط هش كالخيط الرفيع يُمزِّقه أدنى اختبار حقيقي.

ومما يزيد الطين بلة أنَّ الديكتاتور يسعى بوعي ومقصد إلى تفتيت النسيج الاجتماعي، لأنَّ المجتمع الممزَّق لا يُشكِّل تهديدًا، ويذكي الخلافات القبلية والطائفية والجهوية، ويحرص على أنْ تظلَّ الجماعات المختلفة منشغلةً بعضها ببعض، ومنصرفةً عن التَّوجُّه نحو السلطة الحقيقية بأسئلتها المحرجة، ويوزِّع الامتيازات على بعض الجماعات دون أخرى بحساب دقيق، لينتج حالةً من التنافس الدائم على فتات مائدته، مما يضمن له ولاءً متجددًا وزبائن دائمين في آنٍ واحد، هكذا يصبح المجتمع بأسره شبكة زبائنية ضخمة، ومَن لا يلتحق بها يجد نفسه خارج الزمن وخارج الجغرافيا في آنٍ معًا.

لكن القلب الحقيقي لهذه المنظومة الإفسادية يكمن في التعليم. لم يدرك أحد هذه الحقيقة بحدة أكثر من الطغاة عبر التاريخ، الذين عرفوا أنَّ مؤسسة التعليم إما أنْ تكون أداة في أيديهم أو خطرًا على رؤوسهم، ولا وسط، فالعقل الحر الذي تعلَّم كيف يطرح الأسئلة وكيف يقارن ويحلل ويُشكِّك، هو أعدى أعداء الاستبداد لهذا تكون الضربة الأولى دائمًا نحو المعلم المستقل، والكتاب الصريح، والجامعة التي تربي لا تلقن.

التعليم في ظلِّ الاستبداد يتحوَّل من عملية تنوير إلى عملية تدجين ممنهجة، المناهج تعاد كتابتها لتمجيد السلطة وتقديم القائد الأوحد بوصفه نعمةً إلهيةً أو على الأقل ضرورة تاريخية لا بديل عنها، يحشي رأس الطالب بحفظ لا تفكير، وتلقين لا نقاش، وأجوبة جاهزة لأسئلة لم يُطرَح بعضها أصلًا، وحين تتراكم سنوات من هذا التعليم الممنهج تتشكَّل أجيالٌ لا تعرف كيف تتعامل مع فكرة مغايرة لما ألفت، فترفضها لا بالحجة بل بالانزعاج، ولا بالدليل بل بالإدانة، وهكذا يتحوَّل العقل الذي لم يدرَّب على الشك إلى حارس مبدع للقفص الذي يعيش فيه.

يتجاوز الأمر المناهج الدراسية إلى بنية المؤسسة التعليمية ذاتها، التي تتحوَّل هي الأخرى إلى نموذج مصغر للمنظومة الفاسدة، فالمدير يُعيَّن بالولاء لا بالكفاءة، والترقية تُمنَح بالانتماء لا بالإنجاز، والدرجات تُشترى أو تُباع تحت مسميات شتى. الطالب الذي ينجح في هذه المؤسسة يكون قد تعلم قبل كل شيء درس الولاء والنفاق والتكيُّف، وهو درس يفيده كثيرًا في سوق عمل تشتغل بالمنطق ذاته، وهكذا تصبح الشهادة الجامعية وثيقة انتماء أكثر منها شهادة كفاءة، وتخرج الأجيال المتلاحقة وقد تلقت تعليمًا رسميًّا لكنها لا تزال أمية المنهج والأسلوب والروح النقدية.

والأشد فتكًا في هذا كله هو ما يحدث لمفهوم النزاهة نفسه في المخيلة الاجتماعية، حين تُهزَم النزاهة مرارًا وتكرارًا في ميدان العمل، وحين يرى الناس بأعينهم أنَّ الأمين يُحرَم والفاسد يُكافَأ، تبدأ عملية إعادة تعريف القيم ببطء وهدوء، فالنزاهة لا تُلغى بقرار، بل تعاد صياغتها بوصفها سذاجةً وقصر نظر وعجزًا عن فهم «طبيعة الدنيا».

إنَّ الفاسد لا يُدعَى فاسدًا، بل «شاطر» و«حدق» و«ابن بلد»، بينما تعلق على النزيه تهم «العجرفة» و«الغرور» و«عدم القدرة على التعاون»، واللغة ذاتها تعاد برمجتها لتخدم منظومة الفساد، حتى إنَّ كثيرًا من الناس يصعب عليهم التعبير عن النزاهة بوصفها «فضيلة» بدلًا من وصفها «سذاجة».

وهنا يبرز بكامله ذلك الديناميك الذي أشارت إليه مقدمتنا، ديناميك «عداء الجماعة الفاسدة للشخص النزيه» هذا العداء ليس مجرد رد فعل انتهازي يهدف إلى إزاحة منافس أو إسكات ناقد، إنَّه أعمق من ذلك بكثير، وهو في جوهره آلية دفاع نفسية جماعية، علم النفس الاجتماعي يسمي هذه الظاهرة بـ«التنافر المعرفي»، أي الحالة المزعجة التي ينشأ فيها تناقض بين ما يؤمن به الإنسان، وبين ما يفعله فعليًّا.

إنَّ الإنسان الذي ينتهك قيمه الأخلاقية بصفة منتظمة لا يستطيع أنْ يعيش في سلام دون أنْ يقنع نفسه بأحد أمرين: إما أنَّ ما يفعله ليس خطأً في الواقع، أو أنَّ الجميع يفعل المثل وأنَّه ليس استثناءً، وبالتالي الشخص النزيه يقوِّض الحجتين معًا بوجوده المجرد، لأنَّه يثبت أنَّ الاختيار الآخر ممكن، وأن «الكل يفعل ذلك» ليست حقيقة موضوعية بل كذبة مريحة.

هذا التهديد الوجودي الذي يمثله النزيه للمجموعة الفاسدة يفسِّر ذلك الكم الهائل من الطاقة العدوانية التي توجِّهها هذه المجموعة نحوه. لا يكتفون بتجاهله أو عزله، بل يسعون إلى تشويهه وإسقاطه وتحميله كل أوزار المنظومة التي يعريها، يُشاع عنه ما ليس فيه، وتُلفَّق ضده التُّهم، وتعبأ ضده شبكات التواصل الاجتماعي التي يتحكَّم الفساد في خيوطها، والمفارقة المأساوية أنَّ هذه الحملة العدوانية تكون في أغلب الأحيان ناجحة، لأنَّ المجتمع الذي فقد معيار النزاهة بوصفه حكمًا مرجعيًّا يكون أسهل إقناعًا بالأكاذيب التي تدينه.

وفوق كل ذلك يأتي توظيف الدين، أشد أسلحة الاستبداد فتكًا وأكثرها وقاحة في الوقت ذاته، حين تعجز السلطة الفاسدة عن تبرير نفسها بالمنطق والحجة، تلجأ إلى السماء، يستدعى الله شاهدًا على صحة السياسة وقداسة الحاكم، وتؤول النصوص الدينية توظيفًا انتقائيًّا فجًّا لإضفاء مشروعية إلهية على ما هو في جوهره فساد أرضي خالص.

 الحاكم المستبد يجد في الدين مزدوج النفع، من جهة يوظفه لإسكات المعارضة التي يصورها خروجًا على «ولي الأمر» الذي تأمر النصوص بطاعته، ومن جهة أخرى يستخدمه لتوجيه غضب الجماهير نحو أعداء خارجيين أو فتن داخلية، بعيدًا عن مصدر المعاناة الحقيقي.

هذا التوظيف للدين يفسد الدين ذاته من الداخل قبل أنْ يفسد السياسة، حين يتحوَّل رجل الدين إلى موظف في جهاز الدولة الاستبدادية يصفق للحاكم ويبيض جرائمه، يفقد المنبر مصداقيته بوصفه منبر حق وعدل، الناس يرون التناقض لكن كثيرين منهم يفضِّلون التعامي عنه لأنَّ الإقرار به يفتح أسئلة لا يطيقون نتائجها، وهكذا يتشكَّل نوعُّ من الفصام الديني الجماعي، يصلي الناس ويستمعون إلى خطب تدعوهم إلى الأمانة والعدل، ثم يخرجون إلى شوارع تحكمها قواعد مغايرة تمامًا، ولا يرون تناقضًا جوهريًّا لأنَّ التدين تحوَّل من منهج حياة إلى طقس اجتماعي، ووشاح هوية لا علاقة له بالسلوك الفعلي.

والأشد تأثيرًا في هذا السياق أنَّ الفساد المؤسَّس دينيًّا تصعب مقاومته ذهنيًّا أكثر من الفساد المُجرَّد من التبرير، الإنسان الذي يقال له إنَّ الاعتراض على الحاكم الفاسد معصية لله، يواجه ليس مجرد سلطة أرضية بل مخاوف وجودية تمس مصيره الأبدي، وهذا ما يجعل استغلال الدين في تبرير الاستبداد جريمةً مضاعفةً، جريمة في حقِّ الدنيا وجريمة في حق الدين وجريمة في حق الوعي الإنساني الذي يزج به في قفص يبدو له مقدسًا.

تلتقي كل هذه العوامل في نقطة واحدة: إنتاج مجتمع يصعب فيه على الفرد أنْ يكون نزيهًا دون أنْ يدفع ثمنًا باهظًا، وأنْ يكون فاسدًا دون أنْ يُبرِّر لنفسه وعائلته وجيرانه وربما لله ما يفعله، وبمرور الوقت تتكوَّن في الوجدان الجمعي طبقة سميكة من القبول الضمني بالفساد بوصفه قدرًا لا خيارًا، ووضعًا طبيعيًّا لا انتهاكًا، وحكمة عملية لا انحرافًا أخلاقيًّا، ويصبح الضمير الفردي المرهق أشبه بجرح مزمن اعتاد صاحبه على ألمه حتى نسي أنَّه جرح.

وهنا تقع المفارقة الأعمق والأكثر مأساوية، وهي أنَّ المجتمع الذي يتآكل ضميره الجمعي يصبح أحوج ما يكون إلى مَن يعيد إليه هذا الضمير حيًّا، لكنه في الوقت ذاته يكون أقل ما يكون قدرة على الاحتمال، فأي إنسان يرفع صوته في مجتمع كهذا يخاطر بأكثر من مصلحته الشخصية؛ إنه يخاطر بالإسهام في استعادة إحساس جمعي بالذنب، وهو إحساس مخيف لمَن تعلَّم طويلًا كيف يدفنه ويتجاهله، لهذا السبب بالذات تكون ردة الفعل الجماعية على النزيه الشجاع عنيفةً في الغالب، وغير متناسبة مع ما صدر عنه من قول أو فعل، إنها ليست ردة فعل على ما قاله، بل هي انفجار لضغط متراكم طويلًا في أعماق الذات الجماعية.

بيد أنَّ هذا لا يعني أنَّ الأمل مستحيل أو أنَّ المجتمعات المأزومة محكوم عليها بالاستمرار في دوامتها، التاريخ يخبرنا بأنَّ المجتمعات استطاعت في لحظات فارقة أنْ تنهض من تحت ثقل ما تراكم عليها، وأنَّها أعادت اكتشاف قيمها المدفونة وأعلنت أنَّها لا تزال حيةً وأنَّها تستحق أنْ نناضل من أجلها، لكن هذه النهضات لا تبدأ من فوق ولا بقرار، بل تبدأ عادة من أشخاص على شاكلة ذلك النزيه الذي تعاديه الجماعة الفاسدة، أشخاص يتحملون ثمن الحقيقة لأنَّهم يؤمنون بأن لا وجود حقيقيًّا وكريمًا دون هذا الثمن.

في نهاية المطاف، ثمة ما هو أكثر خطورة من الفساد نفسه، إنَّه الفساد الذي ينسينا أننا كنا يومًا ما على غير ذلك، الفساد الذي يعيد كتابة ذاكرة المجتمع ويقنعه بأنَّه لم يكن قط أفضل مما هو عليه الآن، حين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يكون قد فقد الخيط الرفيع الذي يوصله بإمكانية بديله، ولهذا فإنَّ مجرد تذكير هذا المجتمع بأنَّه كان أفضل وأنَّه يستطيع أنْ يكون أفضل، هو في ذاته فعل مقاومة، والنزيه الذي يصمد في وجه عواصف الاتهام والتشهير والإقصاء ليس بطلًا وحيدًا يتحدَّى عالمًا فحسب، بل هو ضمير حي يذكر مجتمعًا متعبًا بأنَّ الاختيار لا يزال ممكنًا، وأنَّ الكرامة لم تمت، وأنَّ الطريق نحو الخروج من الأزمة لا يبدأ بالانتظار، بل يبدأ بامتلاك الشجاعة على الرؤية الواضح،ة والكلمة الصادقة حتى حين تكون الصراحة أقسى ما يفعل.