عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

تواريخ

محمد سليمان

تقدّم وقاتل.. الجيش العراقي في حرب أكتوبر قصة الجيش العراقي في حرب أكتوبر .. حين لبت بغداد نداء دمشق ..

2026.10.10

تقدّم وقاتل.. الجيش العراقي في حرب أكتوبر

قصة الجيش العراقي في حرب أكتوبر .. حين لبت بغداد نداء دمشق

 

كان اللواء الإسرائيلي دان لانر يأخذ استراحة بالقرب من قرية تل الشاعر السورية في الجولان، بعد أيام من الهجوم الإسرائيلي المضاد الذي نجح في دفع القوات السورية من معظم الأراضي التي استعادتها في بداية الحرب، ثم تجاوز الإسرائيليون خط وقف إطلاق النار وبدأوا اختراق الأراضي السورية في اتجاه دمشق. وفي نحو الثانية ظهرًا، لمح لانر من بعيد غبار أرتال مدرعة قادمة نحوه، فاستغرب الرجل؛ فالمعلومات التي وصلته من الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية كانت تؤكد عدم وجود قوات سورية كبيرة أمامه، ولذلك ظنَّ في البداية أن ما يراها ربما تكون تعزيزات إسرائيلية قادمة إلى الجبهة. لكن بعد دقائق جاءه جندي الإشارة بخبر غريب: «القوات التي أمامنا عراقية». لم يصدق لانر، وقال إن ذلك مستحيل، واتصل بالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية التي أكدت له بدورها أن وصول قوات عراقية إلى الجبهة بهذه السرعة أمر غير متوقع؛ فالجيش العراقي، وفق تقديراتهم، لم يكن أمامه الوقت الكافي للتعبئة وقطع تلك المسافة والوصول إلى سوريا. لكن جندي الإشارة حسم الجدل، وقال له، بما معناه: «يا سيدي، إنهم عراقيون، وأستطيع أن أخبرك من أي قرية في العراق جاءوا أيضًا». كان الجندي الإسرائيلي نفسه يهوديًّا عراقيًّا، وقد التقط عبر أجهزة الاتصال لهجة الجنود القادمين أمامه وعرفها جيدًا.

لم تكن تلك الدبابات سورية، ولم تكن تعزيزات إسرائيلية، كانت عراقية. وهكذا دخل العراق واحدة من أكثر صفحات حرب أكتوبر إثارة؛ لا بجيش كان ينتظر ساعة الصفر على الجبهة، ولا بقوات جرى إدخالها مسبقًا في خطة الحرب، وإنما بقوات اندفعت مئات الكيلومترات نحو سوريا بعد أن كانت بغداد نفسها قد علمت ببدء الحرب في السادس من أكتوبر دون إخطار مسبق بموعدها. كان الخلاف بين «بعث بغداد» و«بعث دمشق» عميقًا، وكانت العلاقات السياسية بين البلدين شديدة التعقيد، لكن عندما بدأت الحرب طغى منطق آخر: «هناك معركة عربية تدور، والجيش العراقي ذاهب إليها.»

 

من حدود إيران إلى الجولان

يروي الفريق الركن رعد مجيد الحمداني في كتابه «قبل أن يغادرنا التاريخ»، وكان يومها ضابطًا شابًّا في القوات المدرعة العراقية، صورة مذهلة لأيام التعبئة الأولى. كان جزء مهم من الجيش العراقي منتشرًا شرق البلاد؛ بسبب التوتر المزمن مع إيران في عهد الشاه، وفجأة أصبح المطلوب تحريك تشكيلات مدرعة، ودبابات وناقلات وذخائر ووقود وورش صيانة وإمدادات، عبر العراق ثم الأراضي السورية، وصولًا إلى جبهة تتحرَّك أحداثها بالساعة. لم يكن أمام العراقيِّين ترف الانتظار؛ بدأت الأرتال تتحرَّك غربًا بكل ما أمكن حشده من وسائل، بينما توالت الإمدادات العراقية إلى سوريا. وكان بعض الجنود والضباط، وهم في طريقهم إلى الجبهة، لا يزالون يتصورون أن الجيش السوري يحتفظ بتفوقه الذي حققه في الأيام الأولى، وأنهم ربما سيواصلون القتال معه باتجاه فلسطين. لكن المشهد على الطرق السورية كان مختلفًا: جنود سوريون منهكون، وقوات عائدة من الجبهة، وأخبار عن اختراق إسرائيلي يتسع، وعن دمشق التي أخذ الخطر يقترب منها، وكانَت العبارة التي ظل الحمداني يتذكر سماعها على الطريق: «أنقذوا شرفنا!»

 

تقدَّم وقاتِل

ربما لا توجد عبارة تلخص دخول العراقيِّين إلى المعركة أكثر من تلك التي اختارها الصحفي والمؤرخ العسكري الآيرلندي إدغار أوبالانس عنوانًا لحديثه عن القوات العراقية: Advance and Fight — تَقَدَّمْ وقَاتِلْ. فحين وصل القادة العراقيون إلى القيادة السورية، لم يجدوا أمامهم صورة عمليات متكاملة كتلك التي يفترض أن يتلقاها أي تشكيل عسكري قبل دخوله معركة بهذا الحجم. يشكو القادة العراقيون في مذكراتهم من نقص الخرائط والمعلومات وشفرات الاتصال وضباط الارتباط، ومن غياب الوقت أصلًا لإجراء استطلاع حقيقي للأرض. وصلت الدبابات بعد رحلة طويلة، وكان العدو أمامها، فكان الأمر في جوهره: تَقَدَّمْ.. وقَاتِلْ. وفعلوا.

 

المفاجأة التي لم ينتظرها الإسرائيليون

في الثاني عشر من أكتوبر دخلت طلائع الفرقة المدرعة الثالثة العراقية القتال، وفي محور جيعا - كفر ناسج اصطدمت القوات العراقية بقوات إسرائيلية لم تكن تتوقع ظهور تشكيل مدرع عراقي أمامها بهذه السرعة. هنا تحوَّلت المفاجأة الاستخباراتية إلى معركة حقيقية. لم يدخل العراقيون أرضًا يعرفونها، ولم تكن لديهم فرصة كافية لدراسة الجبهة، كما افتقدوا التفوق الجوي الذي تمتعت به إسرائيل، ومع ذلك اندفعوا إلى الاشتباك. اختلطت الدبابات في بعض المواقع، وقصرت مسافات القتال، وتعاقبت الهجمات والهجمات المضادة على قرى وتلال صغيرة أصبحت أسماؤها جزءًا من ذاكرة المقاتلين العراقيِّين: كفر ناسج، تل عنتر، دير العدس، جيعا. كانت معركة ثقيلة، ولم تكن مجانية؛ خسر العراق رجالًا ودبابات وطائرات، لكنه أدخل إلى حسابات الجبهة عنصرًا لم يكن موجودًا قبل أيام: قوة مدرعة عربية جديدة وصلت بينما كان الإسرائيليون يحاولون استثمار انهيار الموقف السوري والتقدم في اتجاه دمشق. ومن هنا جاءت الأهمية الحقيقية للمشاركة العراقية؛ فلم يكن المطلوب من العراقيِّين في تلك اللحظة تحقيق استعراض عسكري أو انتصار دعائي، بل الدخول فورًا في فجوة عملياتية شديدة الخطورة، وتثبيت جبهة كانت تتعرَّض لضغط هائل.

 

عشرون كيلومترًا لا يجوز أن تسقط

وفي قطاع آخر من الجبهة تولى العراقيون مسؤولية منطقة امتدت، بحسب الروايات العراقية، من غباغب إلى دير العدس، في وقت كانت فيه المعركة لا تزال شديدة السيولة. لم تكن هناك خطوط هادئة؛ القصف الجوي مستمر، والمدرعات الإسرائيلية تتحرك، والاتصالات والتنسيق بين الجيوش العربية بعيدان عن الصورة المثالية. ومع ذلك بقيت القوات العراقية في مواقعها، أما وحدات المغاوير والقوات الخاصة فكانت تنفذ إغارات ليلية على المواقع الإسرائيلية، بينما واصلت المدرعات خوض سلسلة من الاشتباكات والهجمات المضادة. وكان الثمن يتراكم يومًا بعد يوم، لكن الخط بقي قائمًا. وعندما انتهت مهمة أحد التشكيلات العراقية وسلم قطاعه إلى القوات السورية، لخص أحد القادة العراقيِّين المشهد بعبارة بسيطة: «لقد انتهينا.. الآن دورك».

 

جيش ظهر من وراء ألف كيلومتر

ولعل أكثر ما أثار الاهتمام العسكري في المشاركة العراقية لم يكن مجرد عدد الدبابات التي وصلت، وإنما سرعة ظهورها في ميدان لم تكن إسرائيل تتوقع وصولها إليه في ذلك التوقيت. فحشد تشكيل مدرع لا يعني إرسال الدبابات وحدها؛ خلف كل دبابة وقود وذخيرة وصيانة وقطع غيار وناقلات وورش واتصالات وأطقم. وخلف الفرقة المدرعة سلسلة لوجستية كاملة ينبغي أن تتحرك معها. ولهذا كان ظهور القوات العراقية على الجبهة السورية بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب حدثًا عسكريًّا لافتًا بذاته. لقد جاء العراقيون من بعيد، ودخلوا الحرب تقريبًا من الطريق.

 

ولم يكن الجولان وحده

كانت المشاركة العراقية أوسع من المعارك البرية في سوريا؛ فقد دفع العراق بقوات جوية إلى الجبهة السورية، بينما كانت طائرات «الهوكر هنتر» العراقية تقاتل منذ بداية الحرب على الجبهة المصرية، وقد أثنى الفريق سعد الدين الشاذلي في مذكراته على أداء الطيارين العراقيِّين الذين شاركوا هناك. وهكذا وجد المقاتل العراقي نفسه في أكتوبر 1973 يقاتل على الجبهتين الرئيسيَّتين للحرب؛ في سماء مصر، وعلى أرض سوريا. ومع مرور الأيام اكتمل وصول المزيد من القوات العراقية وتنظيم مواقعها، وأصبحت جزءًا أساسيًّا من القوة العربية الموجودة على الجبهة السورية. لكن الحرب كانت تتجه سياسيًّا إلى نهايتها؛ وفي الرابع والعشرين من أكتوبر دخل وقف إطلاق النار مرحلة جديدة، وتوقفت فرصة تحويل الحشد العربي المتزايد على الجبهة إلى هجوم واسع آخر لاسترداد ما فُقد من الجولان.

 

قبلة دمشق الأخيرة

انتهت الحرب، وبدأت الوحدات العراقية في العودة إلى وطنها. لكن رعد مجيد الحمداني اختار أن يختم ذكرياته عن تلك الأيام لا بالدبابات ولا بالخرائط ولا بأرقام الخسائر، وإنما بصورة دمشق. بعد دفن الشهداء العراقيِّين قرب أم العواميد، جنوب دمشق، تحركت القوات في صباح اليوم التالي باتجاه العراق وكان جبل قاسيون يطل عليهم وهم يغادرون. كتب الحمداني: «تراءى لنا جبل قاسيون المشرف على هذه المدينة الموغلة في القدم، وحاضرة الدولة الأموية، حيث أسفرت دمشق عن وجهها الحزين لتطبع قبلة شكر ووداع على جبين المقاتل العراقي الذي دافع عن شرفها».

ثم ترك وراءه على روابي الجولان رجالًا وآليات وطائرات لن تعود إلى العراق، لكنها تركت أيضًا شيئًا آخر. تركت قصة جيش لم يكن يعرف أن الحرب ستبدأ في ذلك اليوم، ولم تكن وحداته مصطفة على خط القتال، ولم يكن بين يديه الوقت الكافي للاستعداد أو حتى للتعرُّف إلى الأرض. ثم جاءه النداء، فتحرَّك من أقصى الشرق إلى الغرب، وعندما وصل لم يسأل عن الراحة، ولم ينتظر اكتمال الظروف، ولم تكن أمامه خطة طويلة. كان الأمر أقصر من ذلك كله: «تَقَدَّمْ وَقَاتِلْ. فَتَقَدَّمَ، وَقَاتَلَ بِشَرَف».