عربة التسوق

عربة التسوق فارغة.

هوامش

سلمى مبارك

الهيمنة والتَّحرُّر لدى بيير بورديو وجاك رانسيير

2026.07.25

الهيمنة والتَّحرُّر

لدى بيير بورديو وجاك رانسيير

 

يبدو السعي نحو مجتمع يتيح الثقافة لأفراده بشكل متكافئ ويُحرِّر الفكر والكلمة في المجال العام حلمًا لا يتوقَّف السعي نحوه. هل تستطيع الديمقراطية تحقيق هذا الحلم وإتاحة مساحات له في المؤسسات التعليمية والمهنية، وفي حقل النضال الاجتماعي؟

 

يجيب كل من الفرنسيَّين بيير بورديو عالم الاجتماع، وجاك رانسيير الفيلسوف بشكل مختلف عن هذا السؤال، من خلال مفهومَي «الهيمنة» و«التَّحرُّر».

بيير بورديو (1930-2002) واحد من أهم علماء الاجتماع في النصف الثاني من القرن العشرين. ركزت أعماله على تحليل آليات إعادة إنتاج التراتبيات الطبقية في العوالم المختلفة التي يمرُّ بها الفرد في أثناء مسيرته، من العائلة، للمدرسة، للجامعة، للعمل...، فيرث بشكل لا واعٍ شعورًا بالدونية تجاه الطبقات المهيمنة، يتخلله ويقلص قدرته على الفعل. تزيد من تلك الهيمنة المستبطنة قيود خارجية مرتبطة ببنية الحقول الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية المسيطرة التي تحبس الفرد داخل أقفاص قاهرة تفشل معها غالبًا محاولات الخروج.

أما جاك رانسيير، المولود عام 1940، فهو واحد من تلامذة لويس ألتوسير. على مدار أكثر من أربعين عامًا، قدَّم مساهمة كبيرة في تحليل المفاهيم السياسية (السلطة، السيادة، المساواة، الحرية... إلخ) وفي عقد العلاقة بين السياسي والجمالي.

يدور فكره حول الديمقراطية، وتقوم فلسفته على مبدأ التَّحرُّر، وعلى فكرة قدرة المقهورين على مقاومة الهيمنة، وإمكانية فتح المجال العام للمستبعدَين من الخطاب السائد: البروليتاريا، والفقراء، والنساء، والأقليات [1].

 

القهر.. الخضوع.. التحرر

ينطلق كل من بورديو ورانسيير من مجموعة من الثنائيات الضدية، بين السلطة والهامش، بين القهر والخضوع، بين الهيمنة والتبعية، بين الشرطة والسياسة. لكن إذا كان بورديو يرى تعذر تجاوز هذه المقابلات بين مَن يملك السلطة ومَن لا يملكها، والذي هو بالضرورة خاضع ولا يمتلك أدوات تحرير ذاته، فإنَّ رانسيير، بالمقابل يبني فكره على إمكانية التَّحرُّر والقدرة الكامنة في كل فرد على الفعل وعلى تغيير موقعه في العالم، وإسماع صوته في فضاء إنساني مشترك.

يتبنى بورديو فكرة انعدام المساواة، حيث يعيش الأفراد في المجتمع داخل أنظمة راسخة ومهيمنة تُشكِّل رؤاهم وممارساتهم (الهابيتوس)، وتمارس عليهم أشكالًا من العنف المادي والرمزي، حيث يقبل الأفراد أنْ تتم السيطرة عليهم بشكل لا واعٍ، من خلال استيعاب واستبطان هيمنة الطبقة الغالبة باعتبار ذلك وضعًا وطبيعيًّا وذا شرعية. وحده المثقف هو مَن يستطيع الفكاك من مخالب هذه البنى الاجتماعية المسيطرة، حيث يُمكِّنه حسه النقدي من رؤيتها من الخارج ومن رفض الخضوع لها.

 بينما ينطلق رانسيير من مبدأ مثالي هو المساواة المطلقة والطبيعية بين كل الأفراد، التي تُمكِّن المقهورين من الانفلات من الهيمنة، بغض النظر عن القيود والمعوقات التي تثقل قدرتهم على الرفض.

 

«المساواة واقع يجب إيقاظه من خلال هزِّ المبادئ الراسخة المسؤولة عن الخضوع الفكري لأكبر عدد من الناس لصالح الأكثر سلطة [2]».

 

يسعى رانسيير إلى فهم الميكانزمات التي تمكِّن المستبعدين من التَّحرُّر: كيف صاغت الحركات العمالية على مدار التاريخ مطالبها؟ كيف يستطيع المنتمون لطبقات محرومة أنْ يرتقوا ثقافيًّا ويصبحوا فلاسفة أو فنانين، في حين أنَّ الظروف الاجتماعية تكون مناوئة لهم؟ [3]

 

السياسي والجمالي

واحدة من ساحات المواجهة بين فكر بورديو وفكر رانسيير هي ساحة الفن والثقافة. ففي كتابهما «حب الفن» [4]، يعرض كل من بورديو وداربيل مسحًا تمَّ إجراؤه في واحد وعشرين متحفًا، سمح بتحديد بنية الجمهور والعلاقات بين الخلفيات الاجتماعية للزوار ومواقفهم من الفن.

وفي قراءته الاستعراضية لكتابهما يشرح محمد الدحاني رؤيتهما عن جمهور المتاحف، إذ تظل زيارة المتاحف محصورة إلى حد كبير بين الفئات المتعلمة، وتشير الإحصاءات إلى أنَّ 55% من الزوار يحملون شهادة البكالوريوس على الأقل. ويبرز التحليل أنَّ مستوى التعليم يُعدُّ العامل الأهم في تفسير هذه الظاهرة. غير أنَّ التعليم وحده لا يضمن فرصًا متساوية للجميع في تقدير الفن والاندماج في الثقافة. إذ إنَّ أبناء الطبقات المحظوظة غالبًا هم مَن ينجحون في بناء علاقة قوية مع السوق الثقافية والإنتاج الفني، وذلك بفضل العادات والسلوكيات المتوارثة داخل أسرهم. هؤلاء الأطفال، منذ سنواتهم الأولى، يجدون أنفسهم يترددون على المتاحف، يستمعون للموسيقى الرفيعة بأنواعها المختلفة، ويستمتعون بقراءة الكتب، مستفيدين في كثير من الأحيان من مكتبات أسرية غنية توارثتها الأجيال. كما يرثون من بيئتهم الأصلية عادات وتوجهات تسهم في تعزيز تفوقهم في دراستهم وفي تفاعلهم مع الثقافة [5].

تدحض هذه الدراسة فكرة أنَّ مجانية المتاحف تسمح للجميع بارتيادها، فزيارة متحف تتطلب الشعور بالحاجة إلى ذلك؛ وحدهم مَن توجد لديهم هذه الحاجة يشعرون بها، وهو ما ينتج عنه عدم المساواة أمام الأعمال الثقافية، والتي ليست سوى مرآة لانعدام المساواة الاجتماعية

أما رانسيير، فيقدِّم رؤيته للفن على خلفية مفهوم «تقاسم المحسوس» بين الشرطي والسياسي [6]. يشرح الفيلسوف أنَّ مصطلح السياسة يُطلَق عادة على مجموعة العمليات التي يتم من خلالها تجميع الأفراد برضاهم وتوافقهم في وحدات يطلق عليها مجتمعات، وتنظيم السلطات في هذه المجتمعات، وتوزيع المواقع والوظائف بشكل يخلق نظمًا هرميةً، ويضفي الشرعية على هذا التوزيع. يقترح رانسيير إعطاء اسم آخر لهذا التوزيع، وهو الشرطة. [7] تخصص الشرطة لكل فرد موقعًا ثابتًا ضمن النظام الذي يتكون من تمييز صارم بين أولئك الذين يحكمون وأولئك الذين يُحكَمون.

أما السياسة، فتتجلى في الاختلاف مع هذا النظام، وفي رفض توزيع السلطة بالشكل الهرمي. ليست السياسة نظامًا لتوزيع السلطات، بل هي فعل زعزعة استقرار أي نظام غير عادل، وأي توزيع غير متكافئ للسلطة. [8]

على أساس هذا التقسيم يتخذ الفن موقعه، حيث توجد أوجه للتشابه توحِّد السياسة والفن تكمن في قدرتهما على اختراق وتفكيك النظم، مما يسمح بصياغة نظرة جديدة إلى العالم كفضاء للممكنات يفتح مساحات للفعل المعارض. [9]

هنا يتضاد النهج الأخلاقي للفن مع النهج الجمالي. ففي الأول، يتوافق الفن مع النظام الشرطي من حيث تعبير الفن عن التوزيع المنظم للمواقع والسلطات في المجتمع، وعن تقسيم الأفراد من حيث المستويات داخل هذا النظام، على أساس أنَّ هذه هي «طبيعة» الأشياء.

أما الثاني فيفترض المساواة ويسعى لتحقيق مبدأ التكافؤ الذي تعد به الديمقراطية، بحيث تتحرَّر ممارسة الفن من أي قاعدة تُرسّخ للنظام الظالم، ويتحرَّر معها الفرد، وتمتزج ممارسة الفن والسياسة من حيث كونهما يشكِّلان فعل رفض يخلخل البنى النظامية غير العادلة. فالتجريب في الفن مثلًا (خلق أشكال تعبيرية جديدة، أو إفساح المجال لذوات صامتة) يسمح بإعادة تشكيل الفضاء السياسي من خلال الجمالي. [10]  

على الرغم من التعارض البادي بين فكر كل من الفيلسوف وعالم الاجتماع، فإنَّهما يجتمعان في عدد من النقاط، أولاها هي رؤيتهما للعالم من خلال ثنائية «القاهر والمقهور». لكن إذا كان بورديو يجعل من هذه الثنائية بنيةً ضديةً لا يمكن الفكاك منها، فإنَّ رانسيير يرى أنَّ كل شخص لديه ما يمكنه من التَّحرُّر. يتفق كذلك الاثنان في فهمها لدور الفن والثقافة في تغيير رؤية الأفراد لذواتهم وللعالم. لكن بينما يقصر بورديو هذه القدرة على المثقف ذي الفكر النقدي، فإنَّ رانسيير يراها قدرةً موجودةً في طبيعة الأفراد، ومن ثم فهم يحتاجون فقط لإيقاظها.

تظل فلسفة رانسيير ورؤية بورديو الاجتماعية على الرغم من السهام الموجه لكيلهما ملهمةً لفهم وتحليل ظواهر نعيشها، إذ تسمح بتكوين خرائط فكرية مرنة تُمكِّننا من تحديد موقعنا في العالم وموقع الفعل الذي نمارسه في تغييره.

 


 [1] زهير الخويلدي «جاك رانسيير بين التحرر الفكري والديمقراطية الجذرية»، كتابات، 27 مارس, 2022

[2] Guay, E. « Lart et la politique : une réflexion sur lœuvre de Jacques Rancière », Nouveaux Cahiers du socialisme, (2016)  (15).

[3]  Philippe Corcuff, « Enjeux de la pensée critique aujourdhui à travers Bourdieu, Rancière et Boltanski », Sciences sociales et théories critiques dans la formation des enseignants, Edition: Presses de lUniversité Laval, 2015.

[4] Pierre Bourdieu et Alain Darbel, L'Amour de l'Art : les musées et leur public, Paris, Éditions de Minuit, 1966.

[5]محمد الدحاني «الورثة... قراءة استعراضية»، هسبرس، 9 أكتوبر 2017.

[6] Jacques Rancière, Le partage du sensible, Paris, La fabrique, 2000.

[7] انظر: Guay, E.

[8] المرجع السابق

[9] انظر: Philippe Corcuff

[10] انظر: Guay, E.